يتطرق الكثير من المصادر في الفكر السياسي إلى الديمقراطية، ويعرفها بانها حكم الشعب لنفسه، أو حكم الشعب للشعب بالشعب، وهو المعنى اليوناني القديم لأصل الكلمة المكونة من مقطعين (ديموس) و (كرتس)، وكأن هذا المفهوم لم يجرِ عليه تطور مع العقل الانساني تاريخيا منذ ذلك الحين ولغاية اليوم، وقد تجاوز مراحل كثيرة غيرت جذريا كل المفاهيم الحياتية وطورها إلى ما يناسب درجة التطور الحضاري.

والديمقراطية مفهوم تاريخي تعرض للكثير من التطور والتبدل بمرور الزمن وخصوصا فترة الثورة الصناعية، أو عصر الأنوار في اوربا، فقد تناولها أعلام الفكر الإنساني مثل مونتسكيو وفولتير وروسو ولوك وغيرهم، ولسنا معنيين بتتبع التطور التاريخي لمعنى الديمقراطية، لذلك اقتصرنا هنا إلى حيث انتهى معنى المصطلح، أي توجيه الأضواء الكاشفة على المعنى المعاصر للديمقراطية، والتي تمثل أرقى ما وصل اليه العقل الانساني.

يكاد يتفق الباحثون المعاصرون على القول بأن الديمقراطية هي ( منظومة آليات محايدة لتداول السلطة وممارستها على أساس الاختيار الشعبي أو الانتخابات ) وهذا التعريف يميزه عن التعريف الكلاسيكي المدرسي الذي لم يعد له وجود في الحقيقة في المصادر الجادة الباحثة عن مفهوم الديمقراطية من جهة، كما أنه غير موجود أصلا في الواقع السياسي للبلدان الديمقراطية المعروفة من جهة ثانية، فضلا عن أنه يعود إلى المفهوم الاثني القديم الذي هجره الباحثون، كما هجره الواقع السياسي بعد ان اتضح عدم واقعيته وعدم امكانه وخصوصا وأن النظم السياسية قد تغيرت ، كما ان الدول وصلت إلى درجة من التعقيد والسعة مما جعل هذا المفهوم لا يتناسب مطلقا معها بأي صورة من الصور. 

عناصر الديمقراطية: - يتألف التعريف المعاصر للديمقراطية من العناصر التالية:

الآليات: ان الديمقراطية المعاصرة منهج وليست عقيدة أو فكر سياسي أو فلسفي مهمته ضبط السلطة في المجتمع لاتخاذ القرارات العامة من قبل الملزمين بها، أما مضمون هذه القرارات نفسها فأنه أمر متوقف عل اختيارات متخذي القرار في ضوء الثابت من عقائدهم التي تنص عليها الدساتير في ظل الشرائع التي يلتزم بها أفراد ذلك المجتمع ويسعون إلى تجسيدها في نظامهم الاجتماعي والاقتصادي والاخلاقي.

وهذه الآليات هي:

أ- التعددية: أي حرية تشكيل الأحزاب والمنظمات والجمعيات السياسية دون قيود.

ب – تداول السلطة السلمي: ويجري ضمن انتخابات حرة ونزيهة تنافسية تتيح امكانية انتقال السلطة وفقا لنتائجها.

ج- منظومة الحقوق والحريات العامة: وهي مقياس لاحترام حقوق الأنسان ويجسدها القانون وهو المظلة التي تحمي حقوق المواطن من أي تجاوز، كما ان النظم الديمقراطية تؤمن باستقلالية السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مما يجعل القضاء بعيدا عن التأثيرات التي يعاني منها في النظم الشمولية.

د- الحيادية: وتعني أن الديمقراطية ليست بديلا لغيرها من الشرائع السائدة في أي مجتمع، ولا تطمح أن تحل محلها، كما لا تهدف إلى أن تكون عقيدة منافسة لغيرها، هذا الفهم يجعل منها مجموعة آليات محايدة بالإمكان فك ارتباطها التاريخي عن الإطار الفلسفي والاجتماعي الذي أقترن بظروف نشأتها التاريخية، وهذا يعني انها لا تلتزم موقفا قيميا أو عقائديا مسبقا من كل الاشياء أن كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية موروثة أو مكتسبة من خلال القانون.

ذ – تداول السلطة: وهو رفض احتكار السلطة من قبل أي طرف، وهذا هو أهم عناصر الديمقراطية المعاصرة، بل هو جوهرها الذي يميزها عن غيرها من النظم التي تقوم باحتكار السلطة تحت شتى الذرائع، مثل أنظمة الحكم الوراثية أو الحزب الواحد أو الكتلة الواحدة حتى وان كانت تدعي الكتلة الاجتماعية الأكبر.

ر – الطابع السلمي: ويتم تداول السلطة سلميا، أي أن الديمقراطية تستبطن تغيرا دوريا للسلطة، وهو ما يميزها عن ما يعرف بالشرعية الثورية في إحداث التغيير السياسي، فالجيش مثلا في النظام الديمقراطي جهاز محترف مهني مكلف فقط بالدفاع عن البلاد ضد أي اعتداء خارجي وليس أداة تغيير، ولا حاميا للدستور، وليس له أي دور سياسي.

ز – الاختيار الشعبي: هو المضمون الجوهري الآخر للديمقراطية، وأساسه، ان السلطة هي المختارة من قبل الشعب، وهو الذي يعطيها الفرصة من خلال التداول الدوري، أي أن الشعب لا يختار ذلك مرة واحدة، بل مرات عديدة ولأشخاص كثيرين لكي يجربوا حظهم في خدمة الشعب.

هذا هو مفهوم الديمقراطية المعاصر والذي يكون على الضد من كل الانظمة الاخرى مهما تباينت في شكل الحكم واختلفت في آليات تداول السلطة، لأنها تمتلك شرعيتها التي تجسدت من خلال اختيار الشعب لها دون اكراه، والشعب هو نفسه الذي يمتلك حرية تغييرها بعدم انتخابها مرة اخرى، واعطاء فرصة لغيرها، وهذا يعني أن الشعب هو المسؤول عن حكومته ومراقبتها بواسطة منظمات المجتمع المدني التي تلعب دورا كبير.

عرض مقالات: