أقيمت في خيمة الندوات ضمن مهرجان “طريق الشعب”، ندوة حول “دور الاعلام في عملية التغيير”، ضيفت فيها الكاتب والإعلامي صالح الحمداني والصحفي ياسر السالم عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، فيما ادارها الصحفي سيف زهير.

أشكال عدة للإعلام

ورحّب مُيسر الجلسة بالضيوف المتحدثين والحاضرين، فيما أوضح أنه خلال الحديث عن هذا المحور الهام، لا بد من الإشارة إلى أن التغيير بحد ذاته اصبح ضرورة ملحة بالنسبة للناس، ويمكن رصد هذا الجانب من الاحتجاجات التي حصلت طيلة الاعوام الماضية، وصولا الى لحظة تشرين الاستثنائية واصرارها على التغيير، لافتا إلى أن المحاصصة الطائفية واقصاء العدالة الاجتماعية أوصلت ظروف المواطنين المعيشية إلى أسوأ احوالها.

وبدأ الحديث مع الكاتب والإعلامي صالح الحمداني، الذي أشار إلى وجود أشكال عدة للإعلام، منها الرسمي، العمومي، الأهلي، وهناك ما يسمى بالإعلام الاجتماعي، فضلا عن التقليدي المتمثل بأنماط معروفة مثل الإذاعة والتلفزيون والجرائد وهي أيضا مؤثرة.

وقال الحمداني، إن الفترة الأخيرة “شهدت وجود تأثير كبير للمال في تحريك الإعلام وإدارته؛ فمن يديرون القنوات الهامة والمنصات الاجتماعية الصحفية والاعلامية المؤثرة، يؤكدون أن المال هو الأساس بالنسبة لنجاح عملهم، وهذا يتفاوت من حيث الامكانيات بين مؤسسة وأخرى. ما الذي جرى؟ أن الأنماط السابقة للإعلام لم تعد كما هي بالنسبة للمتلقي، فالتغيير داخل بنية المجتمع وبحسب احصاءات شبه رسمية يشير إلى أن 60 في المائة هم من الشباب والأطفال. ووفقا للتقسيمات الجيلية، فنحن بدأنا بالألفية والآن وصلنا إلى الجيل الذي يدعى Z، وهو يحمل أفكارا جديدة بخصوص الإعلام ويظهر اهتماما خاصا بالعناوين لا التفاصيل، كما الأجيال السابقة، لذلك هناك من يركز على ايصال الرسائل إليهم وفق هذه الاهتمامات”.

سيطرة الإعلام الاجتماعي

ويضيف الحمداني، ان “الاعلام الاجتماعي سيطر حاليا على الساحة، لكنه ما زال يأخذ ملخصات ومختصرات مكتوبة في الاعلام التقليدي كنصوص مطولة، ويحولها الى فيديوهات وتصاميم وأساليب متنوعة. إن هذه الحرية بالتصرف في الاعلام الحديث غير موجودة في الصحف الورقية مثلا، فهي مجبرة على الرصانة والدقة وعدم الانجرار”، لافتا إلى أن “الصحافة والاستقصاء الذي ينتج بشكل رصين يصل إلى مستوى أهمية هيئة النزاهة وديوان الرقابة كسلطة رابعة رقابية ومؤثرة وفق بعض التعريفات. لكن لا بد من التأكيد على حقيقة أن الاعلام غير قادر على العمل بشكل كامل بسبب معوقات كثيرة تجعل العاملين في هذا الحقل غير قادرين على نشر ما يردهم من معلومات هامة، وهذا يوضح مدى التضييق الذي يجبر أحيانا مصدر الخبر على نكران ما قاله خشية مما يمكن ان يتعرض له، وبالتالي يقع الصحفي أو الاعلامي في حرج كبير”.

دور مهم غائب

ويرى الكاتب والاعلامي الحمداني، ان دور الاعلام لا ينحصر بنقل المعلومة إلى المواطنين، بل “تعليمهم وترسيخ القيم الاجتماعية الايجابية. ولطالما لعب في دول كثيرة هذا الدور لكن الأمر حاليا مختلف، فقد غابت هذه السمة عنه في بلدنا، وشوهت القيم بل حتى وصلنا إلى مرحلة عدم استخدام اللهجة العراقية بالإعلام”.

وأشار إلى ضرورة “اهتمام الاعلام والصحفيين بما يريده المواطنون. فهناك مواد صحفية وفيديوهات تنتج بخصوص بعض القضايا، تحظى بالإعداد الجيد لكنها لا تلاقي المتابعة الجماهيرية، بينما البعض الآخر تحظى بردود فعل واسعة جدا رغم عدم التحضير الجيد لها، والسبب أن عنوانها يهم الناس مثل قضايا المياه والرواتب وغيرها من الامور، لذلك يجب الاهتمام بهذا الامر، وهو جزء مهم من مخاطبة الناس ومعرفة طريقة تفكيرهم. هناك جهات اعلامية وصحفية محلية تبذل جهودا كبيرة جدا لتجهيل الناس وتضليل رأيهم، وتصرف أموالا طائلة لمنع وصول المواد التي تهم رأي الجمهور إليهم”.

المال السياسي مؤثر

أما عضو المكتب السياسي للحزب الرفيق ياسر السالم، فقد أوضح من جانبه أن للإعلام دورا محوريا في اي مشروع سياسي، ولطالما كان حلقة الوصل ما بين الفكرة والمتلقي.

ولفت السالم الى ان “الاعلام في العراق هيمن عليه المال السياسي، وأن الوسائل الاعلامية غير قادرة على لعب دور محايد في الصراع فهي بالمجمل تلعب دورا مناهضا لعملية التغيير على اعتبار انها تمثل اجندات سياسية وهنا اساس المشكلة. لا يوجد توازن بين الاعلام السياسي (سلطة ومعارضة)، وهناك من يملك المال ويستخدم ادوات الدولة والسلطة، بينما المعارضون محرومون، ولا يقدرون على مجاراة هذا الامر”.

قيود كثيرة

وبحسب السالم، فإن الإعلام العراقي مقيد بقيود أولها “المال السياسي والآخر هو استخدام القوانين كسلاح ضد الصحفيين والإعلاميين”.

ويبين أنه على مدار 20 عاما مضت “لم يلغ البرلمان أو يعدل القوانين التي شرعها النظام السابق، وتتعمد القوى المتنفذة ابقاءها واستخدامها، بينما تتبجح بعدم وجود معتقلي رأي، لكنها في الوقت ذاته تستخدم القوانين ضد الصحفيين وتبتزهم، وتحد من قدراتهم على نشر المعلومات. إن القيد الآخر هو أن الصحفي منهك في ظل هذه الظروف، ويجبر على العمل في أكثر من مؤسسة لتوفير الدخل المناسب، وهذا الأمر يحوله من منتج الى مستهلك. في المؤسسات الكبيرة ليس بالضرورة ان ينتج الصحفي تقريره بشكل يومي، وانما يذهب الى البحث والاعداد الجيد قبل الكتابة، بينما الصحفي العراقي مجبر على كتابة مادة كاملة او مادتين أو أكثر خلال يوم واحد وفي ظل ظروف عمل بائسة جدا، تخفض انتاجيته وتحوله من صانع للخبر إلى متلق، لذلك نرى سمة التصريحات السياسية طاغية على العمل الاعلامي والصحفي، وهذه تسمى الصحافة الكسولة”، مضيفا انه “متى ما يحرر الاعلام من هذه القيود سيكون قادرا على ممارسة دور ايجابي في عملية التغيير”.

ويمضي السالم في القول إن “العراقيين غير قادرين على رؤية البديل ليس لعدم وجود البديل السياسي وانما بسبب الالغاء والالهاء والاقصاء الاعلامي الذي يشوش على رؤية المواطنين للوضع السياسي. هذا التضليل نراه أيضا على مواقع التواصل الاجتماعي وهناك مؤسسات كاملة للتجهيل وجيوش الكترونية تمول اخبارا مضللة تقوم بحملات لتجهيل الرأي العام حول قضايا اساسية يفترض ان تكون محور حديثهم اليومي. هناك استخدام واضح للمشاهير في تشويه المفاهيم والسيطرة على هذه المساحة الاعلامية”، مردفا “نحن بحاجة الى رقابة على هذه السلوكيات الاعلامية الشائنة ولكن ما هو شكل الرقابة الذي نريده؟ ففي بعض البلدان الديمقراطية توجد هيئة للإعلام والاتصالات لديها مهمات معروفة وتلتزم بلوائح معينة، وتشكل هذه الهيئات من مجاميع من المستقلين والاعلاميين والمختصين وهناك لوائح مقرة ومناقشة من قبل النقابات والمنظمات، وبالتالي هي تمثل حرفيا مبادئ النشر”.

ويتابع أنه “في العراق شكّلوا الهيئة، وهي تسعى لان تتحول كصوت على الاعلام ودائما نراها في الأحداث الكبرى تنشر توجيهات لتناول بعض القضايا، وتستخدم ورقة البث الاذاعي او الاعلانات كورقة ضغط وغيرها من الممارسات. ومن المفارقات أيضا أن رئيس نقابة الصحفيين أصبح عضوا في هيئة الإعلام التي تراقب الاعلاميين او قد تكون ببعض الاحيان خصما لهم. كيف يكون النقيب ضمنها؟ وكيف سيقوم بدوره؟ أن ما يجري هو انعكاس واضح للمحاصصة التي تدار بها كل القطاعات ومن ضمنها الصحافة والاعلام والتأثير عليها”.