في الساعة الواحدة بعد الظهر ضمن منهاج اليوم الاول لمهرجان “طريق الشعب “ السابع، عقدت الندوة المعنونة “الحق الدستوري للتعبير عن الرأي والامكانيات الفعلية لممارسته”، شارك فيها ثلاث شخصيات أكاديمية وقانونية وتشريعية، وهم كل من عميد كلية العلوم السياسية جامعة النهرين د. عامر حسن فياض، والقاضي هادي عزيز، والنائب سجاد سالم، وأدارت الندوة د. نهلة النداوي وهي أكاديمية وباحثة.

وتناول المتحدثون في مداخلاتهم وإجاباتهم عن الأسئلة لاحقا، ابرز التحديات القانونية والتشريعية التي تواجه حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي في البلاد، متفقين على ضرورة مواصلة الضغوط باتجاه التعديل والمضي في تحقيق تشريعات قانونية تضمن تحقيق دولة مدنية تسودها حرية حقيقية ملموسة للتعبير عن الرأي.

اربع ركائز

في شأن المنظور السياسي لحرية التعبير عن الرأي يقول د. عامر حسن فياض وهو اول المتحدثين في الندوة: ان “واقع الحال وما تمر به البلاد من أزمات ومشكلات بات من الضروري جعل الحديث عن حرية التعبير عن الرأي واقعا ملموسا نتمتع به عبر تحقيق اولى خطواته بتحقيق مسارات بناء الدولة المدنية”.

وتطرق فياض الى العلاقة بين الحق والحرية قائلا إن “لكل حق حرية، وبالتالي لا بد للحرية ان تحتضن حقوقنا”، موضحا أنه “عندما تطرق مسامعنا كلمتا حرية وحق فلا بد من التأكيد على وجود ضمانات كعدم تصديق النواب اذا قالوا بأن لكم الحق وحرية التعبير عن الرأي، اذ علينا هنا مطالبتهم بالضمانات الدستورية التي تمكننا من الشعور الوجودي الفعلي لحرية التعبير عن الرأي”.

وتابع د. فياض خلال حديثه ان “جعل حق حرية التعبير دستورية اجراء غير كاف، فلا بد من وجود تنظيم قانوني، وبيئة مناسبة لممارسة هذا الحق، إضافة الى المعين الذي يتمثل بالمؤسسات”.

وعن المضي نحو تحقيق دولة مدنية ضامنة لحرية الرأي والتعبير، ذكر ان هناك حاجة لاربع ركائز متمثلة بـ المستلزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعي، فضلا عن المستلزمين الثقافي الفكري، بحكم ان البلاد عبارة عن مجموعة كيانات وهي تحاول منذ عقود ـ وقدر الإمكان ـ الانتقال الى عراق الدولة المدنية الحديثة.

وشدد على “ضرورة وجود فاعل سياسي للمضي نحو تحقيق فعلي لحرية الرأي والتعبير، بحكم التصاقهم واستخدامهم الأبرز لهذا الجانب، وهو المنفذ الأول الذي يعول عليه في تحقيق الركائز الثلاثة الأخرى تباعا”.

ونبّه إلى ان “تحقيق حرية الرأي في دولة مدنية بحاجة الى عقد سياسي دستوري اكثر تفصيلا وأن يكون حاضنا للمبادئ التي أولها مبدأ التمثيل في الانتخابات والتعددية السياسية واستقلالية القضاء واحترام الحقوق والحريات والتداول السلمي للسلطة”.

وتابع “أما في ما يتعلق بالمستلزمات الاقتصادية فهناك ضرورة لتحقيق صفتين؛ الأولى، الاستقرارية التي تحفظ كرامة المواطن، والاخرى تتمثل بالتوازن النسبي بين الإنتاج والاستهلاك والابتعاد عن السياسة الاقتصادية التي تقتصر على الاستهلاك كواقع حال البلاد الذي لا يساعد على خلق دولة مدنية تتحقق ضمنها حرية التعبير عن الرأي”.

ويمضي في الحديث عن ثالث المستلزمات وهي الاجتماعية، إذ يقول ان “تحقيق الدولة المدنية بحاجة الى قاعدة اجتماعية يتكئ عليها، وتتمثل بالفئات الوسطى التي تتمتع بصفتي الميسورية والاستنارة التعليمية”.

وأخيرا، حول المستلزم الثقافي والفكري يرى د. فياض انه من اصعبها، خاصة في بلاد يطغي فيها التقييم الجماعي على التقييم الفكري والثقافي للافراد.

 ونبه إلى ان “توفير المستلزمات الثلاثة في البلاد بحاجة الى ثلاثة عناصر تنشأ من رحم الأفراد أولا، ومن ثم الجماعات العصرية (منظمات المجتمع المدني وأحزاب سياسية وطنية)، والأخير السلطة ومؤسساتها الشرعية”.

قانون حرية التعبير

وللحديث عن حرية التعبير من الوجهة التشريعية بعد عام 2003 يقول عضو مجلة الحق التابعة لاتحاد المحامين العرب القاضي هادي عزيز: ان “النظام التشريعي في البلاد يتكون من ثلاث فئات نافذة؛ الأولى، تتمثل بقوانين النظام السابق التي صدرت بموجب قانون رقم 35 لسنة 1977 والمستندة على مؤتمر حزب البعث، والتي واحدة من مهامها تغييب الثقافة القانونية عن عقلية المواطنين، وبالتالي صعوبة تحقيق الاستثمار في البلاد. والفئة الثانية هي تشريعات سلطة الائتلاف المؤقت، والتي وضعت خصيصا للمرحلة الانتقالية حسب وجهة نظر المحتل، والتي تتضمن الكثير من البنود القانونية التي لا تسعى الى البناء المؤسسي للدولة كقانون نزاعات الملكية وحقوق الشهداء”.

وتابع، اما الفئة الثالثة فتنحصر بالفترة منذ عام 2005 والى يومنا هذا، ويرى القاضي انها “تفتقد الكثير من الأحكام والصيغ القانونية في العملية التشريعية”، منبها إلى ان “البلاد أمام مهمة عسيرة لبناء دولة وفق المفاهيم المدنية”.

وتطرق القاضي الى البنود القانونية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العراق قائلا: “على الرغم من المصادقات غير القليلة إلا ان عناصر الجهات التشريعية يفتقرون إلى الوعي بوظيفة هذه الاتفاقيات التي تعد قانونا عراقيا خالصا بعد عمليات التشريع حتى لو تم الغاؤها دوليا”، مشيرا الى ان “جميع الدول تمنح أهمية خاصة للاتفاقيات الدولية، وهي تعلو على دساتيرهم المحلية، كما في هولندا”.

وعن قانون حرية التعبير أفاد القاضي هادي بأن “اغلب الدساتير العراقية التي رافقتنا منذ عام 1925 الى يومنا، تنص على حرية الرأي والتعبير، ولكن بصيغ مختلفة، وان البعض من الدساتير اشترط تنظيم قانون خاص بحرية الرأي والتعبير الا أنها لم تحظ بالمجال الكافي لتطبيقه”.

وحول رأيه بقوانين حرية التعبير بعد عام 2003، قالل انه “يتضمن العديد من الصيغ والمصطلحات التي تحمل اكثر من تأويل، وبالتالي ساعدت على خلق الكثير من الارباك في حياة المواطنين، فضلا عن الخروج بقوانين ضعيفة بحكم ان صياغتها اعتمدت على  الدمج بين قانونين متناقضين كان معمولا بهما في فترات مختلفة عن حاضرنا”، مستشهدا بـ”قانون حق المؤلف رقم 3 لسنة 1971 الذي صدر وكان العراق متأثرا بالمدرستين؛ اللاتينية، التي نصت في حينها على ان (المؤلف والشخص المبدع والخلاق والمبتكر هو الذي يكون محميا قانونيا بموجب حرية التعبير). والفرنسية، التي منحت وفق نصها القانوني الحماية للمنتج وليس لصانع المنتج”.

ويرى القاضي هادي عزيز خلال حديثه، ان قانون حرية التعبير في مرحلة إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية كان انضج من قوانين حرية التعبير التي صيغت في السنوات اللاحقة، من حيث جوانب حق التظاهر سلميا وحرية التعبير فيه مصانة بجميع الوسائل”.

واشار الى ان “منظمات المجتمع المدني لعبت دورا كبيرا في صياغة قانون حرية التعبير، الا ان الجهات التشريعية تحاول قدر الإمكان التلاعب بالصيغ القانونية وفق مصالحها، وبذلك هناك ضرورة للضغط باتجاه المطالبة بتنظيم حرية الرأي ضمن قانون خاص بها، فضلا عن ايجاد قانون يمنح صلاحيات لرئيس الجمهورية بحماية الدستور”.

ويجد القاضي ان استمرارية تغييب قانون حرية التعبير يذهب الى منح “العناصر التي تقف بالضد من حرية التعبير فرصا اكبر”، مشددا على ان الضغط والمطالبات هي الحل الأمثل لتحقيق الأهداف، كتلك التي جرى عبرها تأسيس محكمة للنشر لحماية الصحفيين، على الرغم من وجود النصوص المتعسفة التي تكبح حق الصحفيين في التعبير”.

الافضل عدم تشريعه

وحول الممكنات الملموسة لتحقيق حرية التعبير والتظاهر السلمي، يقول آخر المتحدثين في الندوة النائب سجاد سالم، انه “من الجيد وجود مسودة لقانون حرية الاجتماع والتظاهر السلمي الا ان تشريع القانون والتعديل عليه ليس عملا موضوعيا، وانما ينطلق من توازن القوى السياسية وموجّهات الرأي العام”.

 ويرى سالم انه “بحكم الاختلال الموجود في توازن القوى ضد القوى المدنية فان بقاء الأمور مطلقة افضل من تشريع القانون الذي حتما ستكون تبعاته سلبية على حقوق التعبير والتظاهر السلمي”، مضيفا ان “هناك الكثير من القوانين التي تنتهك حقوق التعبير والتظاهر السلمي على الرغم من تجاوزها إلا أنها ما زالت نافذة، وتستخدم حال الحاجة اليها من قبل الجهات المعنية، كالقوانين التي تمنح رؤساء اللجان الأمنية العليا في المحافظات صلاحية الامر والنهي في الاحتجاجات، وهي بالتالي بحاجة الى تعديل”.

وعرج سالم الى أحداث انتفاضة تشرين قائلا: “ان ما حدث من انتهاكات في انتفاضة تشرين لا نمتلك أي حجة قانونية لادانتها، وبالتالي تمكنت السلطات من تجيير ما حدث من انتهاكات في سياقات قانونية على الرغم من رؤيتنا لها، كالعصيان المدني”، منبها الى ان “هناك ضرورة لتشريع قوانين او التعديل على القوانين التي تجرم الإجراءات الحكومية خلال فترة انتفاضة تشرين”.

وللنظر حول واقع حرية التعبير في البلاد، ذكر سالم “ان ما يجري في الحياة اليومية من انتهاكات هي اكبر من النصوص الموضوعة، وبالتالي فان الدفاع عن حرية الرأي والاحتجاج يعود الى شخصية القاضي وتكوينه المهني والاجتماعي والثقافي”.