في باكورة نشاطات مهرجان “طريق الشعب” السابع، عقدت الندوة الأولى التي حملت عنوان “الصحافة الالكترونية والورقية بين الحاضر والمستقبل”، لمناقشة واقع الصحافة الورقية وأسباب تراجعها، وهل هي في مرحلة صراع مع الصحافة الالكترونية؟ ام ان هناك أسبابا أخرى، من خلال استضافة الكاتب والمترجم قيس العجرش والاكاديمي الدكتور خضر الياس ناهض والصحفي منتظر ناصر. فيما ادار الندوة عضو هيئة تحرير “طريق الشعب”، علي شغاتي.

اسباب تراجع الصحافة الورقية

وبعد الترحيب بالحضور، فسح الزميل علي شغاتي المجال أمام مداخلات الضيوف الكرام، وافتتح الحوار الكاتب قيس العجرش بالقول: ان وجود الصحافة الورقية هو جزء من الحنين الإنساني للماضي، ورغبة في بقاء كل ما هو جميل، ولكون الصحافة الورقية مرتبطة بذاكرة الناس وأذهانهم، لكن للأسف هذه الصورة شارفت على الانتهاء.

وأرجع العجرش أسباب تراجع الصحافة الورقية الى عدد من القضايا التي قللت من الاهتمام بالصحافة الورقية، ليس منها انتشار الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي والانترنيت وغيرها، مشيرا الى ان المنظومة الاقتصادية الريعية سبب رئيس في تراجع الصحافة الورقية، فالعراق يمتلك اكثر من 80 مصرفا محليا، لكنها لا تشترك في تسيير الحياه الاقتصادية، فضلا عن كون اغلبها مصارف غير حقيقية، ما جعل الدورة المالية في العراق عرجاء؛ فالمشغل الوحيد للسوق هو الدولة والوظيفة العامة، ما ترك انطباعا سيئا على الحياة الاقتصادية، القى بظلاله على الصحف الورقية.

وأضاف العجرش، ان القضية الثانية للتراجع هي ضعف المحتوى فلم تعد صحفنا تقدم القصص والاحداث التي يستفيد منها المواطن ويزداد بالمعرفة، بالمقارنة مع مصر، الولايات المتحدة، وأروبا التي ما زالت تمتلك صحافة ورقية انتقلت بشكل سلس نحو الصحافة الالكترونية، موضحا ان الصحف الورقية في خارج العراق تعمل على زيادة اشتراكاتها الالكترونية لتعويض خسائر الطباعة الورقية، وبالتالي تضمن ديمومتها.

وأشار الى ان هناك معتقدا سائدا سوقت له العديد الفضائيات والوسائل الاعلامية غير المنضبطة ان شراء جريدة حزب ما هو عملية دعم لهذا الحزب او الجهة التي تصدر منها، بينما ان الامر خلاف ذلك، لان الاحزاب والجهات التي تصدر الصحف ليست قائمة على مبلغ بيع الصحيفة البسيط.

وتابع، ان أهمية الصحافة الورقية تكمن في إعطاء الاخبار ومرجعتيها صورة اكثر موثوقية ومصداقية من مواقع التواصل الاجتماعي غير المسيطر عليها، والتي تستطيع ان تبث عدة شائعات غير معروفة المصدر.

واوضح العجرش، ان عدد الصحف المطبوعة في مصر عام 2008، كان 4 ملايين نسخة، انخفض في عام 2011 الى مليوني نسخة. وفي هذه الحقبة بدأت مواقع التواصل الاجتماعي: فيسبوك وتويتر وغيرهما بالظهور، قبل ان تنخفض في عام 2019 الى 400 الف نسخة فقط، وربما الانخفاض مستمر. وبالمقارنة مع عدد سكان العراق فيجب ان يكون المطبوع بين 150 الى 160 الف نسخة، لكن هل هذا الرقم غير متحقق؟ ربما لا نصل الى 50 الف نسخة يوميا، لذلك لا يكمن سبب التراجع في مواقع التواصل الاجتماعي والانترنيت وحدها.

المطبوع الورقي شكل من اشكال الفن

بدوره، يعتقد الاكاديمي خضر الياس ناهض، ان الصحافة الورقية لا تنتهي على اعتبار انها شكل من اشكال الفن التي من الممكن ان تضعف في مرحلة ما، لكنها لا تموت، مشيرا الى انه يجب التسليم بعملية التطور والتقدم التكنولوجي والمعلوماتي والسرعة الحاصلة في عملية تناقل الاخبار خاصة وان الخبر ينقل من قبل الجميع، لكن الاختلاف يكمن في عملية بناء الخبر وسرعة ايصاله.

وأضاف، ان المواطن ليس مضطرا لان ينتظر سماع الخبر بعد يوم من الحدث في ظل وجود مواقع تتناقل الاخبار بسرعة، إضافة الى ذلك وفرت مواقع التواصل للمواطن مساحة وحرية في عملية ابداء الآراء بكافة الطرق والاشكال التي لا نجدها بالصحف.

ويرجح الياس ان احد الأسباب التي جعلت الصحافة الورقية تتراجع هو كسل بعض الصحفيين وعدم إضافة شيء جديد للصحيفة. كما ان اغلب الاخبار متناقلة من مواقع ووكالات الاخبار او البيانات الصحفية الصادرة من جهات حكومية وغير حكومية او شخصيات سياسية.

دور الصحافة الحقيقية

اما آخر المداخلات فكانت للصحفي منتظر ناصر، الذي اكد ان المشكلة التي واجهت الصحف الورقية بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي أي مع انتشار الشبكة العنكبوتية والانترنيت ولجوء الصحف الى فتح مواقع الكترونية، حينها بدأت الصحف الورقية بالتراجع. هناك عدة صحف عربية في الشرق الأوسط أسست مواقع الكترونية في عام 1995 منها صحيفتا النهار والشرق الأوسط، وتأسست اول منصة الكترونية لصحيفة ايلاف السعودية.

وتساءل ناصر: هل بقيت صحافة حقيقية ام اندثرت؟ هذا يأخذنا الى سؤال اخر عن دور الصحافة التي اعتقد ان دورها هو البحث عما وراء الخبر، وليس في نقل الخبر فقط، مشيرا الى ان مهمة الصحفي تكمن في التركيز على حيثيات الخبر والمعلومات الحقيقية التي وراء حدث معين.

وأضاف، نعاني اليوم من غياب الصحافة الحقيقية، إضافة الى غياب الصحافة الاستقصائية والتي تكون هي أساس العمل الصحفي، معتقدا ان الانتقال من صحافة الدكتاتورية الى الصحافة الحرة لم يكن سلسلا، بالتالي فأن الانتقال صوب الصحافة الالكترونية لن يكون سهلا في ظل وجود ازمة الدفع الالكتروني.

وبعدها فتح باب النقاش والاسئلة للحاضرين، فقدم عدد من المداخلات القيمة التي أثرت الموضوع.

وفي ختام الندوة شكر الكاتب قيس العجرش جريدة “طريق الشعب”، لحفاظها على مهنية الحياة الصحفية، ونشر المعلومات بشكل دقيق، وإتاحة الفرصة للتحدث عن المشاكل التي تواجه الصحافة في العراق بكل اريحية، وعدم التستر وراء أسماء وهمية، مضيفا “أستطيع ان أقول ان “طريق الشعب”، صحيفة حقيقية وبقيت محافظة على رصانتها برغم الصعوبات المالية الكبيرة التي تواجهها.

اما الاكاديمي خضر الياس، فأكد ان عملية التحول الى الصحافة الالكترونية هي عملية شائكة وبحاجة الى توفر أدوات لتمهيد الانتقال، متقدما بالشكر لـ”طريق الشعب”، التي وصفها بالمعلم الأول.

ورهن الصحفي منتظر ناصر تطور الصحافة بتطور السوق، لكونه المحرك الأساسي للصحافة الحرة.

وفي الختام، أشار الرفيق علي شغاتي الى ان الصحف عليها البحث عن التكامل بين المطبوع الورقي والمقروء الكتروني، وملاحقة القارئ حيثما يكون سواء في مواقع التواصل الاجتماعي ام على المواقع الكترونية ام في المطبوع الورقي. وعليها عدم التفريط ومغادرة مواقعها دون رؤية واضحة.