بدأ وضعٌ من نوعٍ جديد يُخيف و يقلق الآلاف من فلاحي قُرى الجنوب ، ذلك هو جفاف الأرض الزراعية الذي يتسع و يتعمق تأثيرهُ مما يُنذرُ بالخطورة على مستقبل المعيشة المتوقف استمرارها على ما تدرهُ الأرض من نتاجاتها تسد الحاجة اليومية للعوائل الفقيرة، حيث لا أمطار موسمية و لا نهران تُغذي المزروعات المتهالكة خاصةً و قد تم سد منابع المياه من قِبل الجارة إيران، تلك المنابع الـ (أربعين منبعاً) من ديالى إلى الفاو و في أخطرها ضرراً سد نهر كارون ذي المصب التأريخي في شط العرب من دون وعيٍ لدى مسؤولي محافظة البصرة ذوي الاختصاص في التحقق بالنتائج المتوقعة صيفاً، و لم يلح بالأفق القريب أيّ تحرك سلطوي لحد الآن ما يُنبئ بمبادرة عملية تستوفي شروط تقديم خدمة إروائية لصالح عملية الاستزراع أمام الملوحة الكبيرة غير المسبوقة، حتى ما تُسمى بـ ( القناة الإروائية ) التي كلفت أكثر من (364 مليار دينار عراقي). حسب أحد المصادر لم يكن بناؤها النظري وفق تخطيط يرسم الوسيلة الكفيلة بأداء ما تحتاج إليه الأرض التي تلاقفتها عوامل التصحر بفعل الحرب العراقية الإيرانية عندما طُمرت الأنهر ضمن خطة عسكرية كما يدعي بعض المسؤولين، و لحقها الإهمال المتعمد من قبل حكومة الدكتاتورية طيلة عشرات السنين. كما أننا كنا نأمل أن تُعالج مسألة الارواء من قِبل النظام الجديد بعد 2003 لكن الآذان الصماء أبت أن تسمع النداء من أجل إحياء الأرض و تلبية معاناة الجياع المتعبين من الفلاحين الذين توارثوا حب أرضهم أبا عن جد إلى الأحفاد، فقناتهم باءت لبواعث ربحية تكالبت عليها أطماعٌ مشبوهة لم تأخذ آراء الفلاحين ذوي الخبرة التأريخية  في شق الأنهر و في الريّ و الزراعة، خاصةً في كيفية إيصال المياه إلى أراضيهم و هي الغاية التي من أجلها أُنشأت القناة فلم تكن ثمة فتحات مصممة عن طريقها يمكن ارواء الأراضي الزراعية ما عدا بعض (فتحات توزيعية) لا تتوافق مع حقول الفلاحين و هذا لم يكن في حسبان القائمين على بناء القناة لدى المنفذين لهذا المشروع و المسؤولين الحكوميين معاً .

و هنا يجب أن نذكر عاملاً مهماً في إحداث عملية استزراع مستوفية شروطها الموضوعية، خصوبة الأرض و المياه، و الذاتية التي تتمثل بوجود منظمات تحتضن النشاطات الزراعية و تُنظم جهود الفلاحين، أقصد الجمعيات الفلاحية و من ضمنها الجمعيات التعاونية، هذه مفقودة الآن و إن وجدت فهي جامدة لأنها تستوفي جوانب نشاطاتها من قِبل لجان غريبة عن مهمة الاستزراع  ولا يهمها أن حصل إنتاج زراعي أو لم يحصل فاللجان الرسمية ليس لها منهاج و برنامج يمكن أن يُوجه هذا المنظمات الزراعية في عملها الإنتاجي، فهل زارَ أحد المسؤولين الفلاحين يوماً و تحدث عن دعم منتجاتهم الزراعية؟ كميتها، نوعيتها، و للمؤثرات التي تُعرقل الإنتاج، و هل فكر أحدهم بالأثر السيء لاستيراد المنتج الأجنبي الذي يفرض أسعاراً منخفضة على المنتج الوطني رغم النوعيات المتردية للمستورد ضمن عملية الاستيراد العشوائي؟

هل يوجد إعلام مرئي أو مكتوب أو إعلان خاص بتشجيع المواطنين للمنتج الوطني حتى تتم الثقة بالمنتج المحلي مع تشديد على الاستيراد المزاحم للمنتج الوطني الذي يمكن أن يستقطب أعداداً كبيرة من العاطلين خاصةً في الأرياف حيث البطالة تضرب أطنابها بين الشباب ذكوراً و إناثاً أكثرهم خريجُو و خريجات السنين المتعاقبة؟

أليست الزراعة هي باب من أبواب عديدة لمعالجة الطابع الأحادي، النفطي، لموارد الدولة؟

و لو تطرقنا إلى المبادرة الزراعية لرأينا ما حصل هو عكس المطلوب منها في مجال الإنتاج لسوء المراقبة من قِبل مؤسسات الدولة ذات الاختصاص و فقدانها للتخطيط و الدراسة لأسباب التخلف في الحقل الزراعي قبل الحكم على النتائج المزرية و التي لم تُعط مصداقية إلى طبيعة و هدف المبادرة تلك خاصةً في جانب التسليف الذي ذهب لغير صالح الاستزراع و إنما لمشاريع لا تمت بأي صلة لحصول منتج زراعي متقدم أو لصالح عملية التنمية الاقتصادية أو الاجتماعية، و هذا دليل كبير على إن الأموال لا تُنفق في مجال بناء اقتصاد متين يُبعد الاستدانة من الخارج التي تفرض دفع أرباح عالية للشركات و البنوك الدولية ذات الشروط المسيئة حتى لأفقر الناس، المتقاعدين، الرعاية الاجتماعية، التوظيف، تنفيذ المشاريع الإنتاجية و السكنية و حتى الصحيّة مما يُنتج زيادةً في الضرائب و اتباع سياسة الخصخصة التي أخلت في جميع مناحي الإنتاج و فشل و شل العمل الاستثماري المنحصر الآن فقط في المجال النفطي بسبب البيروقراطية و الروتين المميت لجميع محاولات إعادة البناء في ظل عدم وجود ضمان اجتماعي يُعالج الحالات الاستثنائية بالإضافة إلى التحول إلى نظام السوق الذي أجهض المبادرات في القطاع الخاص ليأخذ دوره في الدورة الإنتاجية صناعةً و زراعةً و سياحةً بالوقت الذي يُعتبر العراق البيئة المناسبة للاستثمار في جميع أبعاده الاقتصادية ، عندما يُضمن العامل الأمني المشجع للرأسمال الوطني و الأجنبي في التوظيف المنتج لخلق حياة سليمة لأبناء الشعب .

عرض مقالات: