اخر الاخبار

إرم نيوز

أثارت الانسحابات المتلاحقة من ائتلاف “الإعمار والتنمية” بزعامة رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية العراقية، بشأن مستقبل أكبر كتلة شيعية برلمانية، والأسباب التي دفعت عدداً من أبرز حلفاء السوداني إلى مغادرتها خلال فترة قصيرة.

وشهد الائتلاف، خلال الأيام الماضية، سلسلة انسحابات متتالية بدأت بخروج كتلة “العقد الوطني” التابعة لرئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، إلى جانب حركة “سومريون” بزعامة وزير العمل السابق أحمد الأسدي، قبل أن تتوسع الانشقاقات لتشمل نواباً آخرين، بينهم النائب عمار يوسف، والنائب حسن قاسم الخفاجي، فضلاً عن حديث متصاعد عن قرب انسحاب رئيسة حركة “إرادة” حنان الفتلاوي.

وجاءت هذه التطورات بعد أشهر فقط من تصدر “الإعمار والتنمية” نتائج الانتخابات البرلمانية بحصوله على 46 مقعداً، مستفيداً من شعبية السوداني خلال فترة رئاسته للحكومة، لكن الأرقام الأخيرة تشير إلى بقاء نحو 20 – 25 نائباً معه.

 

استثمار شعبية السوداني

يرى مراقبون أن الانشقاقات الحالية لا ترتبط فقط بالخلافات التنظيمية داخل الائتلاف، بل تؤشر إلى صراع أعمق على النفوذ داخل قوى “الإطار التنسيقي”، خاصة بعد تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، وما رافق ذلك من إعادة توزيع للأدوار السياسية والمواقع التنفيذية داخل البيت الشيعي، ورغبة أقطاب التحالف بالحصول على وزارات، غير أن السوداني تمكن من تمرير وزيرين ضمن الحكومة، من استحقاقه شخصياً، ووزير آخر من استحقاق رئيس هيئة الحشد فالح الفياض، الذي انسحب أيضاً.

وقال الباحث السياسي علي الشيخ، إن “التشظي كشف أن ائتلاف السوداني كان تحالف مصالح مؤقتاً أكثر من كونه مشروعاً سياسياً متماسكاً”.

وأضاف لـ"إرم نيوز"، أن "الائتلاف تأسس في الأصل على فكرة استثمار شعبية السوداني الحكومية ونتائج الانتخابات، لكنه لم يكن قائماً على رؤية سياسية موحدة أو بنية تنظيمية صلبة، ولهذا بدأت التناقضات تظهر سريعاً بمجرد انتقال البلاد إلى مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة، وتقاسم النفوذ داخل الإطار التنسيقي".  

وأوضح أن "السوداني لم يخسر الزعامة بالكامل، لأنه ما زال يمتلك الجزء الأكبر من التحالف، لكنه دخل، فعلياً، في صراع مباشر مع قوى نافذة داخل البيت الشيعي، خاصة مع نوري المالكي وهادي العامري، على إدارة المرحلة المقبلة، وتحديد شكل التوازنات داخل الحكومة والبرلمان".

وأشار إلى أن "الخلافات الأخيرة كشفت أيضاً وجود اعتراضات داخلية على طريقة إدارة السوداني للتحالف، سواء في ملف الترشيحات الوزارية أو إدارة التفاهمات السياسية، وهو ما دفع أطرافاً عديدة إلى البحث عن مواقع جديدة أكثر استقلالية".

 

خلافات الكابينة

وبحسب معطيات سياسية متقاطعة، فإن الأزمة تفجرت بشكل أكبر خلال مفاوضات تشكيل حكومة علي الزيدي، إذ تتحدث أطراف من داخل التحالف عن اعتراضات على آلية اختيار الوزراء، وطريقة إدارة السوداني للاتفاقات مع بقية قوى الإطار.

وكان عضو المكتب السياسي لحركة “سومريون” حسنين الركابي قد تحدث عن وجود خلافات بدأت منذ ترشيح السوداني أسماء لرئاسة الوزراء أو للحقائب الوزارية “من دون العودة إلى الائتلاف”، مؤكداً أن ذلك تسبب بتراكم الاعتراضات وصولاً إلى الانسحاب.

كما تحدثت أطراف منسحبة عن "التفاف على الاتفاقات السياسية"، واتباع "سياسات إقصاء وتهميش" داخل الائتلاف، خاصة خلال جلسات التصويت على الكابينة الحكومية.

وفي موازاة ذلك، اتجه المنسحبون إلى تشكيل تكتل جديد حمل اسم "تحالف البيان الوطني"، الذي يضم قوى مرتبطة بفالح الفياض وأحمد الأسدي، وعدداً من النواب الآخرين، وسط حديث عن سعي هذا التحالف للحصول على موقع مؤثر داخل الحكومة الجديدة والبرلمان.

 

تحالف انتخابي

في المقابل، قلل عضو في ائتلاف "الإعمار والتنمية" من أهمية الانشقاقات الأخيرة، معتبراً أن ما جرى "أمر طبيعي" في التحالفات الانتخابية العراقية.

وقال العضو، الذي طلب حجب اسمه بسبب "وجود توجيه بعدم التصريح للإعلام"، لـ"إرم نيوز" إن "ائتلاف الإعمار والتنمية لم يكن حزباً عقائدياً مغلقاً، بل تحالفاً انتخابياً واسعاً ضم قوى وشخصيات متعددة، ومن الطبيعي أن تحدث فيه إعادة تموضع أو انسحابات بعد انتهاء الانتخابات وتشكيل الحكومة".

وأضاف أن "قيادة الائتلاف كانت تدرك منذ البداية وجود تباينات بين بعض الأطراف، لكن الهدف كان خوض الانتخابات بكتلة كبيرة قادرة على تحقيق نتائج متقدمة، وهذا ما تحقق بالفعل".

وأوضح أن "من بين المنسحبين شخصيات مرتبطة بفصائل خاضعة لعقوبات أميركية، مثل حيدر الغراوي زعيم أنصار الله الأوفياء، إلى جانب فالح الفياض وأحمد الأسدي، وبالتالي فإن خروج هذه الأطراف قد يخفف من الضغوط السياسية والدولية على التحالف خلال المرحلة المقبلة".

 

إعادة رسم التحالفات

ويرى متابعون أن ما يجري داخل "الإعمار والتنمية" لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع داخل "الإطار التنسيقي"، خاصة مع دخول حكومة علي الزيدي مرحلة استكمال الكابينة الوزارية، والتنافس على المناصب التنفيذية والأمنية الحساسة.

كما تشير تقديرات سياسية إلى أن بعض القوى الشيعية بدأت بإعادة تموضعها مبكراً استعداداً للمرحلة المقبلة، خاصة بعد تراجع نفوذ بعض الشخصيات التي كانت تمسك بخيوط التوازنات خلال حكومة السوداني.

ورغم تأكيد قادة "الإطار التنسيقي" خلال اجتماعهم الأخير على "وحدة الإطار وتماسكه"، فإن استمرار الانسحابات من ائتلاف السوداني يعزز الانطباع بوجود صراع خفي داخل البيت الشيعي على قيادة المرحلة المقبلة، وسط محاولات لإعادة رسم خريطة التحالفات السياسية قبل استكمال حكومة الزيدي بشكلها النهائي.