تحلّ الذكرى السنوية لتأسيس الجيش العراقي الباسل، يوم الثلاثاء المقبل، في لحظة دقيقة من تاريخ البلاد، تتقاطع فيها تحديات الداخل مع تجاذبات إقليمية ودولية، وتتزايد فيها الضغوط السياسية والأمنية التي تمسّ جوهر بناء الدولة ووحدة قرارها وسيادتها. وهي مناسبة لا تقتصر على الاحتفاء بالماضي، بل تستدعي وقفة مراجعة جادة لمسار المؤسسة العسكرية ودورها في حاضر العراق ومستقبله.
لقد شكّل الجيش العراقي، ومعه باقي التشكيلات العسكرية والأمنية النظامية، ركيزة أساسية في مواجهة أخطر التهديدات التي عصفت بالبلاد، وقدّم مع أبناء الشعب تضحيات جسيمة في معركة دحر الإرهاب واستعادة الأرض. تلك التضحيات تفرض التزامًا وطنيًا وأخلاقيًا تجاه عوائل الشهداء والجرحى، عبر سياسات عادلة ومنصفة، بعيدة عن التعقيد الإداري والتمييز والمحسوبية.
وإذ تحقق النصر العسكري، فإن الحفاظ عليه يظل مهمة مفتوحة، تتطلب منع عودة الإرهاب بأشكاله المختلفة، والتصدي لمحاولات إعادة إنتاجه سياسيًا أو اجتماعيًا أو أمنيًا. وهو ما لا يمكن إنجازه بالحلول العسكرية وحدها، بل عبر مقاربة شاملة تعالج جذور الظاهرة، وتربط الأمن بالعدالة، والاستقرار بالتنمية، والسلم المجتمعي بالمواطنة.
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن أمن وطني حقيقي في ظل تصاعد خطابات التحريض والانقسام، أو تبرير عسكرة المجتمع، أو القبول بالانتشار المنفلت للسلاح. فهذه المسارات لا تحمي البلاد، بل تقوّضها من الداخل، وتفتح الباب أمام الفوضى وتآكل هيبة الدولة وإمكانية إنفاذ القانون.
إن المسؤولية الملقاة على عاتق القوات المسلحة، اليوم، تمتد لتشمل حماية السيادة الوطنية، وتأمين الحدود، وصيانة المجالين الجوي والمائي، في ظل انتهاكات متكررة وتدخلات خارجية، تثلم القرار الوطني العراقي. ويضع ذلك ضرورة ملحّة لتوحيد القيادة والقرار الأمني، وتعزيز القدرات العسكرية على أسس مهنية ووطنية، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية وفق معايير الكفاءة والنزاهة واحترام حقوق الإنسان، مع تطهيرها من الفاسدين والفاشلين، وضمان بقائها بعيدة عن التجاذبات السياسية ومخاطر الطائفية وتسربها الى بنيتها.
كما أن تحصين الأمن الوطني لا ينفصل عن تحصين الداخل سياسيًا ومجتمعيًا، عبر احترام الدستور، وصون الحريات العامة، ووقف أي تشريعات أو إجراءات تنتقص من الحقوق الأساسية، والعمل على ترميم الثقة بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع، وتعزيز الوحدة الوطنية على قاعدة المواطنة لا الانتماءات الضيقة.
وتبرز هنا أهمية المضي في تفعيل القوانين النافذة التي تمنع العمل المسلح خارج المؤسسات الدستورية، وتوحيد المرجعية الأمنية، بما يضمن أن تكون حماية المدن مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها. كما يتطلب الأمر معالجة ملف القوات المساندة ضمن رؤية وطنية، تضمن وحدة القيادة والسيطرة، وتحفظ حقوق المقاتلين، وتبعد المؤسسة العسكرية عن أي تأثير سياسي أو خارجي.
وفي هذا السياق، لا يستقيم الحديث عن دولة وسيادة وأمن وطني في ظل استمرار امتلاك السلاح خارج منظومة الدولة، أو الاكتفاء بإطلاق مواقف إعلامية من قبل أحزاب وتشكيلات تمتلك أذرعًا مسلحة، من دون خطوات عملية وملموسة على الأرض. فحصر السلاح بيد الدولة ليس شعارًا سياسيًا موسميًا، بل استحقاق دستوري وأمني لا يقبل التأجيل أو الانتقائية، ويتطلب قرارات واضحة وإرادة سياسية قادرة على إنهاء وجود المليشيات وتجريدها من السلاح، ومنع أي كيان، مهما كانت تسميته أو مبرراته، من فرض الأمر الواقع خارج القانون.
ومع الإعلان عن انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، يتجدد التأكيد على رفض أي وجود عسكري أجنبي على الأراضي العراقية، وإدانة كل أشكال الاعتداء على السيادة، باعتبار ذلك مطلبًا وطنيًا لا يكتمل إلا بإجماع سياسي وإرادة حقيقية، تضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار.
وفي التوجه لبناء مؤسسة عسكرية مهنية وموثوقة، تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ مبدأ النزاهة والمساءلة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، ولا سيما في ظل تنامي مظاهر الثراء غير المبرر للبعض، بما يثير تساؤلات مشروعة حول مصادر هذه الثروات، ويقوّض ثقة الرأي العام بالمؤسسة التي يفترض أن تكون مثالًا للانضباط والتجرد وخدمة الصالح العام. إنّ معالجة هذه الظواهر لا تتحقق بالشعارات، بل عبر تفعيل حقيقي لأجهزة الرقابة والمحاسبة، وتطبيق القانون من دون استثناء أو غطاء سياسي.
إن مواجهة هذه التحديات مجتمعة تفرض الانخراط في مسار تغيير حقيقي، بات ضرورة وطنية في ظل تعمق أزمة منظومة المحاصصة والفساد ونهجها.
في هذه المناسبة، التحية للجيش العراقي، ولجميع منتسبيه، وهم يؤدون واجبهم في ظروف معقدة ومتشابكة. والتحية لا تكتمل إلا بالعمل الجاد على دعمه، وإبعاده عن الصراعات، وتمكينه من أداء مهامه الدستورية بوصفه مؤسسة وطنية جامعة، لا سلاحًا في صراع السياسة، ولا طرفًا في معادلات المحاصصة.