في مثل هذا اليوم من كل عام، تتشح ذاكرة الشيوعيين والديمقراطيين وكل الوطنيين بالأسى لما جرى في شباط عام 1963، حين تمكّنت حفنة من الشقاة، محمولة بقطارٍ أمريكي، من وأد ثورة 14 تموز المجيدة. فاغتالت قياداتها، وحطّمت ما حققته من إنجازات على صعيد الاستقلال السياسي، والبناء الاقتصادي، والحريات، والعدالة الاجتماعية، وأنشبت أنيابها في دماء خيرة بنات وأبناء شعبنا، ونكّلت بآلافٍ منهم سجنًا وتعذيبًا وتشريدًا. فألحقت بالثامن من شباط الأسود، وبالزمر التي ارتبطت به، عارًا لا يُمحى من جهة، ومنحت مقاوميه وضحاياه أكاليل الفخر من جهة ثانية، وأبقتهم مصابيح تضيء الدرب الشاق والعذب نحو بناء عراقٍ ديمقراطي مزدهر، ينعم شعبه بالحرية والكرامة والعيش الرغيد.
ورغم أن ذكرى تلك الأيام الدموية، التي راح ضحيتها المئات من الوطنيين والشيوعيين، وفي مقدمتهم قادة حزبنا الأماجد: سلام عادل، وجمال الحيدري، ومحمد صالح العبلي، وحسن عوينة، ومحمد حسين أبو العيس، وجورج تلو، وعبد الرحيم شريف، وحمزة السلمان، ونافع يونس، وعبد الحبار وهبي، وعدنان البراك، ورفاقهم الشهداء الميامين.. رغم ان هذه الذكرى تستعاد بوصفها ذكرى حزينة، فإنها تبقى دومًا محطة أفرزت دروسًا نضالية مهمة، يتقدمها هذا الترابط بين الفعل النضالي للشيوعيين في سبيل تنفيذ الأهداف الوطنية والطبقية، ومن أجل حرية العراق وسعادة شعبه، مهما اشتد القمع وتكاثرت الصعاب، وبين أصالة روح التضحية لديهم، وعمق التضامن في ما بينهم، وشدة حرصهم على رفع راية حزبهم عاليًا، وعلى وحدة إرادتهم وكفاحهم، مدركين أن التضحيات المتواصلة لا تُغيّب الشهداء، بل تحيلهم إلى رموز يُقتدى بها، وشهود دائمين على الحقيقة.
كما تعكس تلك الدروس أهمية التشخيص الدقيق للتناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، وتجنّب أوهام الخلط بينها، والتمسك بالهوية الوطنية الجامعة، وبقيم الحرية والعدالة الاجتماعية التي يجب أن تكون هدفًا مركزيًا لأي مشروع وطني، بما يضمن إعادة توزيع الثروة، ومكافحة الفقر، واستثمار خيرات البلاد لتوفير التعليم، والصحة، والسكن، والعمل الكريم لجميع المواطنين. كما تبيّن لنا جميعًا، وبجلاء، ما لتشتّت القوى الوطنية، واستشراء الفساد في أجهزة الدولة، وتعطيل التداول السلمي الديمقراطي للسلطة، من مخاطر جمّة على استقلال الوطن وسيادته، ومسارات تنميته، وعلى نجاته من هيمنة العامل الخارجي في تحديد مستقبله.
لهذا كان من البداهة أن تكتسب هذه الدروس أهمية استثنائية اليوم، بعد أن وقعت بلادنا في أتون أزمة شاملة، جراء هيمنة منظومة المحاصصة، وما سببته من خراب سياسي واقتصادي واجتماعي، أدى إلى خسارتها الآلاف من أبنائها، وضياع مليارات الدولارات من ثرواتها، وعجزها عن تأمين الاستقرار السياسي، وعن التخلص من اقتصادها الريعي المتخلف، بل وتهديد وجودها كدولة مستقلة، لا سيما بعدما باتت سيادتها الوطنية، ومستوى تمتعها بالحريات، وآفاق تطورها موضع شك كبير، جراء تحكّم الأوليغارشية بالسلطة، وتشويهها الديمقراطية، وتخريبها مؤسسات الدولة، وحمايتها للفاسدين وللأنشطة الطفيلية، وإضعافها الإنتاج الزراعي والصناعي، الحكومي منه والخاص، وتعميقها التفاوت الاجتماعي والفرز الطبقي، وتمزيقها لمفهوم المواطنة.
وكما لم يتمكن انقلابيو شباط من هزيمة إرادة العراقيين وطموحهم إلى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فإن أبناء شعبنا، وبينهم الشيوعيون، وهم ينحنون إجلالًا لشهداء المجزرة، يتطلعون إلى تصعيد الكفاح، والاستفادة من دروس هذا التاريخ، من أجل بناء نظام ديمقراطي اتحادي يحفظ استقلال البلاد وسيادتها، ووحدة أرضها وشعبها، ويكافح الفساد، ويحصر السلاح بيد الدولة، ويطلق مسارات تنموية قائمة على الشفافية، والمساءلة، والتكافل الاجتماعي.
المجد والخلود للشهداء،
والخزي والعار للمجرمين القتلة،
والظفر لشعبنا.