أنجزت الحكومة المنتهية ولايتها، خلال مدة وجيزة، عددا من مشاريع الشوارع والجسور في بغداد، ضمن خطتها لتخفيف الزحام المروري، في حملة لم يصل الاعمار فيها الى شوارع رئيسية أخرى.
لكن لم تمض اشهر معدودة (وأحيانا أيام)، حتى تعرض بعض المشاريع للتصدع، مثل شارع 14 تموز ومجسر فائق حسن وشارع الربيعي ومجسر تقاطع الشالجية وخدمي مطار المثنى وشارع 80 قرب البيجية وغيرها. فيما نال التهالك من مشاريع أخرى نفذها الجهد الهندسي التابع لمكتب رئيس الوزراء، ومنها منطقة زراعي لؤلؤة العدل وشارع السوداني في منطقة شاكر العاني الزراعية، التي افتتحت بحضور رسمي!
ونتذكر ان غالبية هذه المشاريع استغلها مرشحون ونواب ومتنفذون لأغراض انتخابية، بينما اهملت طلبات المواطنين لاعمار مناطق أخرى غداة الانتخابات!
والمتعارف عليه عند تنفيذ المشاريع ان يكلف مهندس مقيم بتقييم العمل قبل الإنجاز واثناءه وبعده، مع اشتراط قيام الشركات المنفذة بصيانة المشاريع اذا ظهر فيها تقصير. ومع ان ذلك حصل فعلاً، فان الصيانة لم تكن جيدة، وجرت بطريقة عشوائية وغير متكاملة!
والاغرب حسب مراقبين، ان عددا من المشاريع لم تنجز وفق الصيغة المخطط لها، او انها أنشأت بدون خطط اصلاً، فالمهم كان تسجيل انجاز!
وجد عدد كبير من فلسطينيي العراق أنفسهم أمام واقع مجحف، يتنافى مع أبسط معايير العدالة والإنصاف. وهؤلاء، وهم أبناء من قدموا مع الجيش العراقي بعد نكسة 1948 وما تلاها، وُلدوا وترعرعوا في العراق، وأسهموا في بنائه وخدمته، فإذا بهم اليوم يُعاملون معاملة العامل الأجنبي، بموجب قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال.
وقد فوجئوا برفض اعتماد نسب الاستقطاع المطبّقة سابقًا، والتي كانت تضعهم في موقع المواطن العراقي، وفرض دفعهم نسبة تصل إلى ربع رواتبهم، مثل أي عامل أجنبي، وإلزامهم بتجديد إجازات العمل سنويًا، بما يثقل كاهلهم ويقوّض استقرارهم.
هذا المسار لا يُخلّ بالإجراءات السابقة فقط، بل ويتعارض مع التزامات العراق التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، ومع قرارات الدولة العراقية التي كفلت حقوق هؤلاء الاخوة، الذين طالهم الظلم مرارًا. ويحدث هذا فيما تتعالى أصوات التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، في تناقض صارخ بين الموقف المعلن والممارسة الفعلية.
إن هذا الذي يجري ظلم جديد يُضاف إلى معاناة ممتدة لهؤلاء الاشقاء، وهو يضع البرلمان والحكومة أمام مسؤولية وضع حد عاجلا لهذا التعسف، وإنصاف من عاشوا على أرض العراق وكانوا جزءًا فاعلا فيه، وصون كرامتهم.
ما زالت وزارة النفط تُصرّ، وبشكل غريب، على عدم وجود أزمة غاز في البلاد! في وقتٍ فرضت فيه اعتماد "الكوبون النفطي" وتحديد حصة شهرية للمواطنين، بعد اعترافها بأن تراجع إنتاج الغاز مرتبط بانخفاض إنتاج النفط من 4.5 ملايين برميل يومياً إلى مليون و400 ألف، وما يُستثمر من الغاز المصاحب له.
إن المعالجة الحقيقية لأيّ أزمة تبدأ بالاعتراف بوجودها. وان طوابير المواطنين أمام المحطات، وغياب وكلاء الغاز عن الأزقة، يدلان بوضوح على وجودها، بعكس ما تحاول الوزارة تسويقه عبر وسائل الإعلام الحكومية والمقرّبة منها.
نحن ندرك انشغال القوى المتنفذة بالصراع على المغانم في عملية تشكيل الحكومة، وعدم التفاتها إلى معاناة الناس ومشاكلهم. لكن أليس مفترضا بمن يسعون للحصول على وزارة النفط وفقاً لنظام المحاصصة، أن يسهموا في خلق نموذج ناجح في الإدارة، ينعكس على واقع المواطنين، بدلاً من الإصرار على تحويل المؤسسة إلى غنيمة تعجز عن مواجهة حتى أبسط الأزمات!
المشكلة اليوم لم تعد في نقص الغاز، بقدر ما هي في فائض الإنكار؛ فحين تدار الأزمات بعقلية التبرير لا الحل، تتحول الموارد إلى عبء، وتصبح معاناة الناس تفصيلاً ثانوياً في معادلة التدافع على السلطة!
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداعياتها المباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل التوريد، يعود ملف الاقتصاد العراقي إلى واجهة النقاش بقلق غير مسبوق، مع تحذيرات متزايدة من دخول البلاد مرحلة مالية حرجة قد تهدد استقرارها الاقتصادي والاجتماعي؛ فالأزمة، وفقاً لخبراء ومختصين، لم تعد مجرد انعكاس لظروف طارئة فرضتها الحرب، بل تعبير صارخ عن اختلالات بنيوية عميقة تراكمت على مدى سنوات طويلة من سوء الإدارة وغياب الرؤية الاستراتيجية.
وفي جلسة حوارية موسعة نظمتها جريدتنا "طريق الشعب"، قدّم اقتصاديون بارزون قراءة تشخيصية للواقع المالي، كاشفين عن نموذج اقتصادي ريعي هش يعتمد بشكل شبه كلي على الإيرادات النفطية لتغطية نفقات تشغيلية متضخمة، في مقدمتها الرواتب والأجور، في وقت تتآكل فيه خيارات الدولة بين الاقتراض، وخفض العملة، وتقليص الاستثمار. وبينما بدت الحلول النظرية متاحة، أجمع المشاركون على أن غياب الإرادة السياسية وضعف الإدارة المؤسسية يفرغان أي إصلاح محتمل من مضمونه، ما يجعل العراق أمام مفترق طرق حاسم: إما الشروع بإصلاحات جذرية تعيد بناء النموذج الاقتصادي، أو الانزلاق نحو أزمة أعمق يصعب احتواؤها.
واستهل الرفيق مفيد الجزائري الندوة بالترحيب بالحضور: "أهلاً وسهلاً بكم جميعاً، ونشكر تلبيتكم الدعوة. فهذه الندوة مهمة جداً، نعول عليها كثيراً. وتتناول موضوعاً من أهم المواضيع والتحديات الراهنة هو قضية التحديات الاقتصادية والمالية وكيف نواجهها. يسرنا وجودكم ونتطلع إلى تحديد معالجات جادة وعميقة من جانب حضراتكم".
من جانبه، رحّب الرفيق الدكتور صبحي الجميلي بالحضور، وأكد على النهج الثابت لـ"طريق الشعب"، في تنظيم مثل هذه الجلسات الحوارية، موضحاً أن الندوة تسعى لـ"تشخيص التحديات الراهنة التي تواجه الاقتصاد العراقي، والإجابة على سؤال جوهري: "هل نحن نمر بأزمة ظرفية طارئة مرتبطة بالظروف الراهنة، أم أنها أيضاً جزء من شيء أشمل وهي أزمة بنيوية تجابه اقتصادنا الوطني؟".
لا يمكن استدامة الوضع المالي الحالي
وكان الدكتور مظهر محمد صالح، الخبير المالي والاقتصادي، قد استهل الجلسة بتقديم تحليل شامل للوضع المالي العراقي، انطلاقاً مما أسماه "نقطة التعادل المالي"، وهي النقطة التي تتوازن فيها نفقات الدولة مع إيراداتها دون اللجوء إلى الدين.
وقال صالح إن هذا النموذج يبقى "خيالياً" في الحالة العراقية، مردفا أن "الإنفاق مرتهن بميزانية تشغيلية هائلة تلتهم الأخضر واليابس، وفيها هذا العدد الكبير من المعاشات والأجور والرواتب والضمانات. القضية أصبحت استدامتها خطيرة جداً. هذا الوضع خطر، وما نعيشه الآن من قفزة في الأسعار وعدم إمكانية التصدير يجعلنا تقريباً في المجموعة الصفرية، وهذا يعتبر تنفساً ضعيفاً".
وتساءل الدكتور صالح: "كيف يمكن كسر هذه الحلقة والعودة إلى النقطة الصحيحة في ظرف طبيعي أو غير طبيعي؟"، وفي معرض الإجابة على سؤاله، قدّم مجموعة من السيناريوهات المحتملة: ففي حال استمرار الحرب، يكون الاقتراض هو الخيار الوحيد، لكنه حذر من تبعاته قائلاً: "إذا افترضنا أن هذه الحرب مستمرة، فليس أمامنا إلا أن نقترض، والاقتراض يترتب عليه إصدار نقدي هائل. ولكن إذا تعادل الاقتراض الداخلي باقتراض خارجي وتوفر متنفس للاستيرادات، فإننا سنحقق شيئاً من الاستقرار، لكن العجز سيبقى قائماً".
ومع انتهاء الحرب وعودة التصدير، حذر صالح من مشكلة أخرى تتمثل في انخفاض الأسعار قائلاً: "حتى اذا عدنا للقدرة التصديرية، فان الأسعار ستنخفض، وهذه مشكلة؛ إذ أن الخيارات المتاحة أمام الحكومة في حال استمرار انخفاض أسعار النفط، ستشمل: الاستغناء عن الشق الاستثماري: "فمن المؤكد أن يتم الاستغناء عن الشق الاستثماري وسنفقد النمو"، كما ربط صالح الرواتب بسعر برميل النفط، ووصفه بأنه "الأخطر".
وتشمل المعالجات ايضا، خفض قيمة العملة والتمويل التضخمي، موضحا أن هذا الخيار "لن يواجه رفضاً شعبياً مباشراً ولكن سيكون هناك تذمر بالطبع. ويترتب عليه ضياع الاستقرار الاقتصادي وسيكون هناك تقشف ذاتي بسبب غلاء الأسعار".
ويشير أيضا الى انه "مع ضرورة معادلة الاقتراض الداخلي باقتراض خارجي لتعزيز الاحتياطيات الأجنبية، لكننا سنكون أمام اشكالية بخصوص الدين وكيفية تسديده، سيما وأن طاقة استيعاب الدين محدودة".
وكشف الدكتور صالح عن بديل مطروح على الحكومة يتمثل في مبادلة الديون بأصول الدولة، وصفه بأنه "يضرب الفلسفة الاقتصادية للدولة"، موضحاً أن هناك "حوالي 43 في المائة من الدين الداخلي ـ وقد يتضاعف ـ هو في حوزة البنك المركزي. وهنا أصول الدولة القابلة للإنتاج والتشغيل تتم مبادلتها بهذه الديون. أكبر وأخطر هذه الأصول هي الأراضي، ومساحات المعامل أو المزارع التي تشكل ثلثي قيمة الأصول".
الأرقام الصادمة للإنفاق الشهري
وقدم الدكتور صالح أرقاماً دقيقة عن حجم الالتزامات الشهرية للدولة العراقية، موضحا أن هناك "نحو تسعة ملايين متلقٍ للرواتب والأجور والمعاشات والرعاية الاجتماعية، ويجب أن نوفر شهرياً 8 تريليون دينار وبسعر صرف مستقر".
وتطرق إلى خيار التمويل الدولي المسبق للصادرات النفطية، واصفاً إياه بـ"المخيف"، إذ قال ان "هناك تمويلا دوليا لكنه مخيف، ويطلق عليه تمويل ما قبل التصدير، ويتم تمويل "كاش" 200 مليون برميل مثلاً وبأسعار يتم التفاوض عليها، وتكون معتدلة ومغرية، وتضخ الأموال للبنك المركزي لرفع احتياطياته لتستقر الأمور وتمويل المالية العامة". مردفا "لكن هذا يعتمد على المدى الزمني؛ فمحددات هذه الموديلات زمنية ومؤقتة وليست دائمية، وبافتراض أن الحرب والوضع كله يمتد من أربعة أشهر إلى سنة، فان مرحلة ما بعد الحرب ستكون أعقد".
وفي حال عودة الاستقرار، واستقرار أسعار النفط، طرح الدكتور صالح فكرة "تأسيس صندوق سيادي لدعم الأجور والرواتب والمعاشات"، معتبراً إياه "بديلاً جيداً" يغطي ستة أشهر.
وختم الدكتور صالح تحليله بالقول: "نحن أمام موديل مالي صعب: إذا استمرت هذه الحروب سنغرق في فترة تشبه فترة الحصار من حيث المشاكل الخطيرة".
مفهوم الاستدامة يقتصر على دفع الرواتب
من جانبه، قدّم الخبير المالي الدكتور محمود داغر شهادة واقعية تعكس حدة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، مستهلاً مداخلته بوصف المشهد الصباحي الذي عاشه في طريقه إلى الجلسة الحوارية: "اليوم صباحاً كنت متجهاً إلى اجتماع بشأن قضية اقتصادية. مررت قرب منطقة المنصور - ميليا فوجدت تظاهرة. سألت: ما المطالب؟ فقيل إنهم يطالبون بزيادة الرواتب، وهناك حديث عن زيادة تتراوح بين 10 في المائة أو 15 في المائة. وعند وصولي إلى منطقة التقاعد في الشواكة، وجدت أيضاً متظاهرين يطالب منظموها بحقوقهم وبمبالغ معينة. بصراحة، شعرت بإحباط شديد".
وأكد داغر أن العراق "أُقحم في هذه المعركة رغماً عنه"، وأن "الاستعدادات تكاد تكون معدومة لمثل هذه الظروف"، مضيفا أنه "حتى لا أكون مبالغاً، فإن استعداداتنا لا تتجاوز الحالة الطبيعية، بل هي دون ذلك. تخيلوا أننا منذ منتصف عام 2025 وحتى الآن لدينا مشكلة حقيقية في كيفية تدبير الإيرادات لتغطية النفقات". وانتقد داغر ما وصفها بـ"ثقافة سائدة منذ عام 2004 وحتى اليوم، مفادها أن الدولة هي المسؤولة عن كل شيء: الرواتب والتعيينات"، متسائلاً: "لا أعلم إن كانت هذه في ذهنيتهم طريقة لإعادة توزيع الدخل، أم أنها وسيلة لاستمرار السلطة. وأعتقد أن الاحتمال الثاني هو الأقرب".
غياب الإدارة المالية المنظمة
ووجه الدكتور داغر انتقادات لاذعة لإدارة المالية العامة في العراق، قائلاً إنها "تمثل العقدة والمشكلة الكبيرة، فهي غير ملتزمة بقيد الإيرادات، وما يسيرها هو الأمر السياسي وليس رؤية اقتصادية واضحة. وأعتقد أنه منذ 2004 وحتى الآن، لم تدخل وزارة المالية فعلياً في إدارة مالية منظمة، بل تُدار الأمور عبر اتصالات هاتفية: اجمعوا الأموال من هنا، حولوا من هناك، ومرروا هذه الدفعات لتغطية الرواتب أو الالتزامات".
وأضاف أن "القرارات الاقتصادية غير مستقرة، وتُدار بطريقة آنية وغير منهجية. ومع استمرار الحرب لأشهر، بعد شهر نيسان بشهرين سندخل في مشاكل. فالمصارف الحكومية استُنزفت، والمالية العامة منكشفة خصوصاً في الإنفاق."
في مقابل هذه الصورة القاتمة، أشار داغر إلى نقطة إيجابية وحيدة تمثلت في "الاحتياطي لدى البنك المركزي العراقي، الذي زاد خلال الفترة الأخيرة، نتيجة بعض الإجراءات المتعلقة بالكمارك، وهو إنجاز كان يجب أن يتم قبل 20 عاماً. كما تم خفض الحوالات اليومية بدلاً من 300 مليون دولار إلى ما بين 150 و170 مليون دولار، ما ساهم في زيادة الاحتياطي النقدي".
مقارنة مع دول الخليج
وقارن داغر وضع العراق بدول الخليج العربي، موضحاً أن "كل بلدان الخليج الآن تواجه مشكلة، لكن هناك تفاوتا في حجم هذه المشكلات؛ فبعضها أخف من الآخر". وأشار إلى أن السعودية والإمارات وعُمان تمتلك منافذ بديلة لتصدير النفط، بينما تعاني قطر والبحرين والكويت والعراق من محدودية المنافذ.
واستدرك قائلاً ان "قطر والبحرين والكويت تمتلك صناديق سيادية توفر لها صَدّاً مالياً يمكنها من الاستمرار وتجاوز الأزمات. الكويت كان لديها أيام الغزو العراقي قدرة على دعم الرواتب، بل حتى مضاعفتها، وهذا بفضل الصناديق السيادية".
واستطرد قائلاً "أما نحن، فهنا تكمن الإشكالية. لا يُستمع إلى الصوت الاقتصادي، ولا إلى صوت العقل، ولا يتم الاتعاظ من التجارب. بل نقع في أخطاء متكررة وتجارب سيئة".
وكشف داغر عن معطيات تاريخية للعجز المالي، قائلاً: "مع أن العراق خلال أغلب السنوات كان يحقق فائضاً مالياً، باستثناء أعوام 2014 و2015 و2020، وربما بشكل طفيف في 2018 و2019. لكن للمرة الأولى نسجل ثلاث سنوات متتالية من العجز الفعلي". وأشار الى أنه خلال "السنوات الثلاث الأخيرة، تراكمت الأخطاء بشكل واضح. ففي عام 2020، تم في سنة واحدة اقتراض نحو 26 تريليونا و700 مليار دينار، وهو رقم كبير جداً، وكان جزء منه ديناً داخلياً".
التفاف على قوانين البنك المركزي
وحذر داغر من خطورة تضخم الميزانية العمومية للبنك المركزي العراقي، الذي وصل الإصدار النقدي فيه إلى نحو 98 تريليون دينار، واصفاً إياها بأنها "أشبه بالبالون". وأوضح أن جزءاً من المطلوبات النقدية يقابلها موجودات ائتمانية محلية وليس أجنبية، مشيراً إلى أن "المشكلة عندما تكون هذه الموجودات عبارة عن سندات أو أوراق موقعة من وزارة المالية ومدير عام الدين العام، فكل التزام يجب أن يقابله أصل حقيقي".
وانتقد داغر ما وصفه بـ"الالتفاف على القوانين" من خلال تضمين الموازنات نصوصاً تشير بشكل غير مباشر إلى الاستدانة من البنك المركزي، معتبراً أن هذا "أمر مقلق".
واختتم داغر مداخلته بالتأكيد على أن "إدارة الاقتصاد في مرحلة ما بعد هذه الأزمة لن تكون كما كانت قبلها: المشكلة لن تُحل من خلال تخفيض العملة أو خصم الحوالات، بل من خلال تغيير عقلية إدارة الاقتصاد الوطني بالكامل"، منبها الى ان "مفهوم الاستدامة والاستمرار في العراق أصبح اليوم يقتصر على دفع الرواتب فقط!".
الحرب كشفت الازمة بالكامل
في مداخلته، أكد الدكتور عبد الرحمن المشهداني، الخبير الاقتصادي، أن الأزمة الاقتصادية في العراق لم تكن وليدة الحرب الأخيرة، بل هي أزمة مزمنة ومستمرة منذ سنوات، مشيرا الى انه "منذ أشهر قبل اندلاع الحرب، كنا نشخص وجود أزمة عميقة ومستمرة. فالنفقات السيادية تجاوزت 140 تريليون دينار، وتشمل فوائد وأقساط الديون ومستحقات الشركات الأجنبية والأدوية والبطاقة التموينية".
وأكد المشهداني "كنا نتوقع أن أسعار النفط ستستقر عند 55 - 65 دولاراً، ما يعني أن العجز سيصل إلى نحو 50 تريليون دينار. وهنا برز السؤال: كيف سنغطي ونؤمن هذا العجز؟".
وانتقد المشهداني، في السياق، ضعف الشفافية في البيانات المالية الرسمية، قائلاً: "من المشاكل الأساسية ضعف مصداقية البيانات؛ فعندما نقول إن الدين الداخلي يبلغ 92 تريليون دينار، فهذا الرقم لا يشمل التزامات أخرى. على سبيل المثال، هناك مستحقات لشركات الكهرباء بحدود 4 تريليونات دينار، وهذه غير محتسبة ضمن الدين. كذلك مستحقات الفلاحين لسنوات 2024 و2025 و2026 وهي تُعد متأخرات، وهذه أيضاً التزامات حقيقية".
وأكد أن الحرب الأخيرة "جاءت لتعمق الأزمة وتكشفها بالكامل وتعرينا تماماً"، مضيفاً "ما نواجهه اليوم ليس مجرد سوء إدارة مالية، بل هو فشل في إدارة المالية العامة بشكل كامل، وهو فشل مستمر منذ عام 2003 وحتى اليوم، ولا نعلم سبب التمسك بهذا النهج: تتغير الأوضاع صعوداً وهبوطاً، لكن النهج نفسه لم يتغير".
عقلية الموظف لا صانع السياسة
وشخّص المشهداني "خللاً جوهرياً" في الإدارة المالية العراقية، كما أن الإحساس بالمسؤولية ضعيف لدى مجلس النواب الذي لا يمارس دوره بالشكل المطلوب في مناقشة أزمات السيولة".
وحذر المشهداني من أن انتهاء الحرب لا يعني عودة سريعة إلى مستويات الإنتاج السابقة، قائلاً: "حتى لو انتهت الحرب اليوم، لا أعتقد أن لدينا - ولا حتى دول الخليج - القدرة على العودة سريعاً إلى سقوف الإنتاج السابقة، مثل 3 ملايين و400 ألف برميل يومياً. لأن الحقول التي تعرضت لضربات، تحتاج وقتاً للتعافي، لأن توقف الإنتاج يؤثر على كفاءة العودة".
وأضاف عاملاً آخر يخص البيئة غير المستقرة: "لا أعتقد أن الشركات الأجنبية سترغب في العودة الى وضع مضطرب".
وعرج المشهداني على توجه الحكومة الذي وصفه بـ"الخطير"، والذي يتمثل في طرح مشاريع قوانين تتيح "الاقتراض المفتوح"، واصفاً إياه بأنه "مشكلة" حقيقية، مؤكدا أن "الحلول محدودة جداً، ونحن بحاجة إلى 'مشرط جراح' لإجراء إصلاحات حقيقية، بينما استئصال الجزء الفاسد في جسم الدولة العراقية غير ممكن حتى الان".
وفي تحذير لافت، أشار المشهداني إلى أن الدولة بدأت تفقد أصولها أيضاً، قائلاً: "هناك تجاوزات واستثمارات غير مدروسة على أراضٍ تابعة لمؤسسات تعليمية، وتحويلها إلى مشاريع استثمارية، ما يعني تقليص أصول الدولة. وبالتالي، حتى خيار بيع الأصول ليس حلاً مستداماً، لأنه سيؤدي إلى استنزاف ما تبقى من ممتلكات الدولة. الطريق مسدود".
وأبدى المشهداني تشاؤماً واضحاً من إمكانية الإصلاح في ظل الوضع الحالي، قائلاً: "بصراحة، لا توجد لدى الجهات الحالية القدرة أو حتى الرغبة الحقيقية في تنفيذ إصلاحات. لا توجد رؤية اقتصادية واضحة، ولا إدارة قادرة على التعامل مع الأزمة. لا توجد مؤشرات جدية على التغيير، بل يستمر الوضع بالتدهور بأشكال مختلفة."
تناقض القرارات واستمرار التوظيف
وضرب المشهداني مثالاً على التناقض في القرارات الحكومية، قائلاً: أنه "في ظل هذه الأزمة، لا تزال هناك توسعات في التوظيف والامتيازات دون تخطيط، ما يزيد العبء على الدولة".
وقدّم المشهداني توقعاً قاتماً للإجراءات الحكومية القادمة، قائلاً: "أنا أعتقد أن الحكومة قد تبدأ بتأخير الرواتب، حتى لو كانت الأموال متوفرة، بحيث يصبح التأخير تدريجياً (40 إلى 50 يوماً)، ليصبح التقشف أمراً مقبولاً لاحقاً". كما توقع أن موازنة 2026 "لن ترى النور قريباً، رغم وجود مسودة، بسبب الخلافات على النفط والكميات والأسعار".
رؤى وحلول مقترحة
وفي معرض حديثه عن الحلول الاستراتيجية، عاد الدكتور مظهر محمد صالح ليقدم رؤيته التي تركز على استثمار المقومات الزراعية والثروات الطبيعية غير النفطية، قائلا إن "العراق يمتلك مقومات زراعية كبيرة، ولدينا ملايين الدونمات من الأراضي. لكن ما طاله التصحر تصل مساحته على الأقل الى نحو 6 ـ 7 ملايين دونم من 2003 إلى اليوم".
واقترح صالح استثمار هذه الأراضي عبر مشاريع كبيرة بواسطة نظام يشبه (جولات التراخيص النفطية) لكن بشكل محسّن، وبالتعاون مع دول متقدمة وحيادية مثل أستراليا وهولندا ودول أوروبية أخرى. وأكد أن هذه المشاريع "يمكن أن تحقق الأمن الغذائي وتخلق فرص عمل وترتبط بها صناعات زراعية، أي سلسلة متكاملة من الإنتاج إلى التصنيع، إلى التسويق والخزن".
وشدد على ضرورة التحول من الزراعة الفردية التقليدية إلى "مشاريع زراعية كبرى. يستحق العراق مثل هذه المشاريع". وعن آلية التنفيذ، قال: "يمكن العودة إلى صيغة الشركات العامة مع تحديث القوانين القديمة، مثل قانون الشركات العامة، وإعادة تفعيل دورها بشكل حديث".
ولفت الدكتور صالح الانتباه إلى الثروات الطبيعية الأخرى، قائلاً: "لدينا أراضٍ واسعة ومتروكة، خاصة في المناطق التي تصحرت. إضافة إلى ذلك، هناك موارد طبيعية مهمة مثل السيليكون والكبريت والفوسفات، وهذه تحتاج إلى استثمار تكنولوجي متقدم، ليس فقط لاستخراجها، بل لبناء سلاسل قيمة متكاملة".
ودعا صالح إلى تأسيس شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص وتوجيه عوائد هذه المشاريع إلى "صندوق ثروة سيادي، بدل الاعتماد الكلي على النفط". كما شدد على أهمية القطاع الحرفي والمهني والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل عالمياً أكثر من 60% من القوى العاملة. واختتم مداخلته بالقول: "نحن بحاجة إلى نموذج اقتصادي جديد لا يعتمد فقط على النفط والغاز (النموذج القديم)، بل على تنويع مصادر الدخل: مبادرة 'طريق التنمية' التي طرحها رئيس الوزراء تُعد مشروعاً استراتيجياً مهماً، خاصة إذا ارتبطت بتطوير العلاقات مع دول الجوار وإنشاء مدن صناعية ومشاريع تكامل اقتصادي".
المعوقات تقتل المشاريع الكبرى
في تعقيبه على الحلول المطروحة، أكد الدكتور عبد الرحمن المشهداني أن المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في التنفيذ والمعوقات الاجرائية. وقال: "فيما يتعلق بقطاع الغاز، هذه الملفات مطروحة منذ سنوات لكنها لم تُنفذ بالشكل المطلوب. على سبيل المثال، حقل عكاز الغازي لم يُستثمر بشكل كامل رغم أهميته. وفي مسألة حقل المنصورية، الذي كان من المفترض أن يدخل الإنتاج منذ عام 2013، لكن بسبب الظروف الأمنية، خاصة خلال فترة سيطرة داعش، توقف العمل فيه. وبدلاً من تطوير هذه الحقول، استمر العراق في استيراد الغاز رغم امتلاكه موارد كافية".
وأضاف أن "المشاكل معروفة والحلول أيضاً معروفة، لكن التنفيذ غائب بسبب غياب الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الواضحة. فأنا أعتقد أن الإرادة السياسية هي التي تحكم هنا". وسرد المشهداني تجربتين واقعيتين تعكسان حجم المعوقات البيروقراطية التي تواجه الاستثمار في العراق:
التجربة الأولى، كانت في عام 2018، عندما جاءت شركات سعودية للاستثمار الزراعي. وقال المشهداني: ان "ممثل شركة المراعي قال: 'أنا أزرع العلف في الأرجنتين والبرازيل، وتستغرق الناقلة شهرين حتى تصل إلى السعودية، فلماذا لا تُمنح لنا صحراء الأنبار لنزرع الأعلاف فيها؟' وقال: 'سننشئ حقولاً للأبقار وحقولاً للأغنام، ونوفر اللحوم للسوق المحلية والألبان للسوق المحلية. وكل ما نريده هو العلف فقط. أما المياه فلا نريدها منكم، فنحن سنحفر الآبار'. لكن المشروع لم يمضِ قدماً وظهرت عراقيل مختلفة".
التجربة الثانية، كانت قبل سنتين، عندما جاء مستثمرون سعوديون للاستثمار في السيليكا والبتروكيمياويات ضمن مشروع النبراس. وقال المشهداني: "عندما جلسنا معهم، قالوا: 'نحن لا نحتاج منكم شيئاً، فقط نريد نفطاً خاماً.' خُصص للمشروع نحو 12 مليار دولار، ويتضمن إنشاء مصفاة بطاقة 500 ألف برميل يومياً، وما يزيد سيتم تسويقه محلياً. كما تضمن إنشاء محطة كهرباء لتغذية الشبكة الوطنية بنصف غيغا والفائض منها يذهب لتغذية الشبكة الوطنية، إضافة إلى مشاريع بتروكيمياوية ومجمعات سكنية للعمال وعمال عراقيين".
لكن المشروع تعثر بسبب الأسئلة البيروقراطية التي طُرحت في وقتها، مثل: "ما هو حدكم الائتماني؟ وما هي تجاربكم السابقة؟" وعلق المشهداني قائلاً: "لم نصل إلى نتيجة بعد ثلاث ساعات من الحوار. المشكلة الأساسية تكمن في المعوقات، إذ لا توجد إرادة حقيقية لدفع هذه المشاريع إلى الاستثمار والتنفيذ. وإذا لم يحدث تغيير، فلا أعتقد أن الوضع سيتحسن".
النفط تحول من استثمار إلى إنفاق تشغيلي
وفي مدخلته، قدم الرفيق رائد فهمي، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، توصيفاً حاداً للخلل الهيكلي في الاقتصاد العراقي، قائلاً: "هناك مشكلة في النموذج. فالنفط بدل أن يكون استثماراً أصبح إنفاقاً تشغيلياً، وهذه مشكلة اقتصادية".
وقال الرفيق فهمي، إن "المنطق الاقتصادي البحت يقول إن الحل العقلاني لأزمة معينة هو الاقتراض وتقشف معين، وهذا التقشف يقع عبأه على الأوساط المتمكنة أكثر من السواد الأعظم من الناس، والأدوات هي الجباية والضرائب. لكن الدولة ضعيفة".
وأشار إلى محدودية خيار الاقتراض، قائلاً: "هناك سقف للاقتراض. وأتذكر ورقة للبنك المركزي جرى تداولها تتحدث عن عدم إمكانية إقراض الحكومة أكثر من اللازم، نظراً لعدم وجود مقابل. بالتالي هناك سقف معين، وبإمكانهم تجاوزه لكنه سيدخلنا في مخاطر".
وطرح فهمي مجموعة من الأسئلة العملية لتحريك النقاش نحو الحلول: "إذا كانت هناك قضية الجباية، ماذا نفعل بالجباية؟ وإذا كانت القضية زيادة الإيرادات الضريبية، كيف نزيدها وبأية وسائل؟ وإذا كانت قضية الاقتراض، أي نوع وإلى أي مدى يجب أن يتم؟ وإذا كانت قضية الرواتب وغيرها، ماذا نريد أن نزيد، وماذا نريد أن نقلل بالضبط؟ وفي الوقت نفسه، هذه الأموال المكتنزة غير المفعلة أو غير المستثمرة، كيف نحركها؟".
الحسابات الختامية
فيما طرح الرفيق فارق فياض، أسئلة تفصيلية حول طبيعة العجز والموازنات، متسائلاً عن كيفية فهم طبيعة العجز في ظل غياب الحسابات الختامية، مشيرا إلى إشكالية تأخر إقرار الموازنة، قائلاً: "في الموازنات الثلاثية، المصروفات لغاية تشرين الثاني من السنة السابقة للمستلزمات السلعية، تقدر بنحو 3 تريليونات، في حين أن التخصيصات المرصودة هي 15 تريليوناً. والموازنة أُقرت في الشهر السادس، وهذا يخلق إشكالية. كان من المفترض حين تأخرت الموازنة أن يخفض مجلس النواب من قيمة التخصيصات المبالغ فيها". وقدّم فياض مقترحاً عملياً لمعالجة التفاوت في الرواتب، يتمثل في فرض "ضريبة تصاعدية تخفف الفجوة الاجتماعية بين أصحاب الدخل الأعلى والأدنى دون المساس بالفئات الضعيفة". وأكد أن "الضريبة المباشرة على الدخل أكثر عدالة من غير المباشرة، لأنها ترتبط بالدخل الفعلي، وهذا يعزز مبدأ العدالة الاجتماعية".
التدخل في سعر الصرف
من جانبه، استفسر الرفيق حيدر مثنى عن الخيارات المتاحة بين الاقتراض الداخلي والخارجي والتدخل بسعر الصرف، متسائلاً: "هل هناك خيار؟ أيهما أهون ويمكن أن نعمل عليه في ظل الأزمة الراهنة، أو ما بعد الخروج من الأزمة؟".
كما تساءل عن مدى توفر متطلبات الصناديق السيادية في العراق، والتي تشمل "موازنة ثابتة وفائضا ثابتا واستقرارا سياسيا واقتصاديا"، متسائلاً: "هل تتوفر لدينا فوائض مالية بحيث تذهب للصناديق السيادية؟".
ردود وتعقيبات ختامية
في توضيحه بين الدكتور مظهر محمد صالح أن عدم تقديم الحسابات الختامية يمثل "خرقا للدستور وخلافا لقانون الإدارة المالية وقرار المحكمة الاتحادية". واقترح حلاً عملياً يتمثل في إجراء "حسابات ختامية منفصلة لكل الدوائر الإيرادية أو الإنفاقية، وتُنشأ لكل وحدة من وحدات الإنفاق، والتي تقارب الألف وحدة، حساب ختامي مستقل".
وفي ما يخص الصناديق السيادية، أوضح أن العراق "بلد عجز وليس بلد فائض" منذ 40 أو 45 سنة، لكن "عندنا فائض في الثروة"، مشيراً إلى أن العراق يُصنف تاسع بلد من حيث حجم الثروات التي تُقدر بنحو 16 تريليون دولار. وطرح فكرة إنشاء "صندوق ثروة سيادية في اقتصاد 'عاجز' ينطلق من الثروات القابلة للاستثمار، ليس فقط النفط بل الثروات الطبيعية الأخرى"، مؤكداً أن الفكرة "ممكنة إذا وُجد القرار السياسي".
وبخصوص التمويل المسبق للصادرات النفطية، حذر الدكتور صالح من أن هذا الخيار "فيه محاذير كثيرة"، موضحاً أنه يعني التعاقد على سعر معين الآن وبفائدة، ما يرحّل المشكلة إلى الأجيال القادمة. وقال: "هذا يكون عادة في الأزمات القصيرة وليس الطويلة. إذا كانت الأزمة قصيرة - ستة أشهر، سنة - يمكن التعامل معها، أما إذا كانت طويلة فهي خطرة". وكشف الدكتور صالح عن خطوة عملية بدأ بها البنك المركزي، حيث "عيّن شركة تدقيق عالمية ستبدأ بمتابعة الأصول الخارجية للدولة وفرزها وتقييمها ومعرفة قيمتها الفعلية"، لكنه أشار إلى أن "العمل بطيء وليس بالزخم المطلوب".
السلف غير المصفاة وضياع الإيرادات
وفي رده على استفسار الحسابات الختامية، قال الدكتور محمود داغر ان "عدم توفر الحسابات الختامية لا يعني عدم قدرتك على حساب العجز أو الفائض. مثل حساب البنك؛ إذا كان لديك كشف حساب بنكي تستطيع معرفة كم دخل وكم صرف. لكن مشكلتنا هي في السلف، إذ أن معظم السلف لم تُصفَّ حتى نهاية السنة ولا يوجد لها تسوية سنوية، وبالتالي تبقى دون تصفية في نهاية السنة".
وانتقد داغر الاختلالات في النظام الضريبي، قائلاً: "أكبر النفقات هي الرواتب، لكننا في الواقع لا نطبق ضريبة الدخل كما ينبغي، بل نطبقها على الراتب الاسمي فقط". وأشار إلى محاولة سابقة في عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي لتطبيق ضريبة الدخل على كل مكونات الراتب، لكن "المشروع واجه رفضاً وضغوطاً وتم إجهاضه".
وكشف داغر عن حجم الهدر الكبير في جباية الكهرباء والماء، قائلاً: "وقد ذكر أن محافظ البنك المركزي دفع نحو 25 تريليون دينار سنوياً للكهرباء، بينما لا تتم جباية سوى ما يقارب تريليون واحد فقط، وهذا رقم ضئيل جداً. وفي بعض المناطق لا توجد عدادات، وفي مناطق أخرى توجد عدادات لكنها لا تعمل، ويتم الاعتماد على التقدير، ما يؤدي إلى ضياع كبير في الإيرادات". واختتم داغر مداخلته بالتأكيد على حتمية التغيير الجذري، قائلاً: "سنلجأ للحلول الصعبة، كما حدث في فترات سابقة من تاريخ الحكومات، إذ واجهنا أزمات في 2014 و2018 والسنوات الأخيرة بسبب الإنفاق الكبير على البنية التحتية، إضافة إلى تعيين نحو مليون موظف خلال ثلاث سنوات تقريباً (2022-2023). كل ذلك أدى إلى تراكم الأعباء المالية، بحيث أصبح الوضع كمن لا يدفع الإيجار حتى يأتي يوم الإخلاء. لذلك أقول إن هذا النموذج يجب أن يتغير. ولا أتحدث عن تغيير اقتصادي فقط، فهذا النموذج حتى يتغير يحتاج إلى تغيير سياسي أيضاً وإلى قناعة سياسية حقيقية".
المداخلات اعلاه تؤشر الى أن الاقتصاد العراقي يواجه أزمة بنيوية ومزمنة تفاقمت حدتها بفعل الحرب الدائرة في المنطقة، والتي كشفت هشاشة النموذج الاقتصادي الريعي القائم على الإيرادات النفطية لتغطية نفقات تشغيلية متضخمة، وفي مقدمتها الرواتب والأجور. وأكد الخبراء أن خيارات مواجهة الأزمة محدودة وصعبة، في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح، وضعف المؤسسات المالية والرقابية، واستمرار النهج نفسه في إدارة المالية العامة منذ عام 2003 دون تغيير جوهري. ودعا المشاركون إلى تغيير جذري في عقلية إدارة الاقتصاد الوطني، والتحول نحو استثمار الثروات غير النفطية، وتفعيل الشراكات مع القطاع الخاص، وإنشاء صناديق سيادية، مع التأكيد على أن الحلول الترقيعية والاقتراض غير المدروس لن تؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة وتعميقها، وأن استدامة الوضع الحالي أصبحت في خطر شديد.
أصدرت المحكمة الاتحادية العليا، اليوم الاحد، قرارها برد الدعوى المقدّمة من قبل الحزب الشيوعي العراقي والتيار الاجتماعي الديمقراطي ضد رئيس مجلس النواب إضافة لوظيفته، بشأن تأخير انتخاب رئيس الجمهورية، مستندةً إلى عدم الاختصاص، وهو ما فتح باباً واسعاً للنقاش القانوني والسياسي حول حدود دور المحكمة في الرقابة على الالتزام بالتوقيتات الدستورية.
من جانبه، وصف المحامي زهير ضياء الدين قرار المحكمة الاتحادية برد الدعوى الخاصة بتأخير انتخاب رئيس الجمهورية بحجة عدم الاختصاص بأنه “ضعيف” من الناحية القانونية، مؤكداً أنه يثير تساؤلات جدية بشأن مدى انسجامه مع طبيعة الدعوى والنصوص الدستورية التي استندت إليها.
وقال ضياء الدين في حديث لـ"طريق الشعب"، إن الدعوى اعتمدت على خرق دستوري واضح يتعلق بالتوقيتات المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية، والتي نص عليها الدستور بشكل صريح، مشيراً إلى أن من صميم اختصاصات المحكمة الاتحادية النظر في مدى التزام السلطات بهذه النصوص.
وأضاف أن مجلس النواب خالف، من وجهة نظره، تلك التوقيتات الدستورية، الأمر الذي كان يستوجب تدخلاً قضائياً لمعالجة الخرق، لافتاً إلى أن المخالفة لا تقتصر على الجانب الزمني فحسب، بل تمتد إلى حنث أعضاء مجلس النواب بالقسم الدستوري الذي يلزمهم باحترام الدستور والتشريعات النافذة.
وبيّن أن ما جرى يمثل “انتهاكاً مضاعفاً” للأحكام الدستورية، سواء من حيث تجاوز المدد الزمنية أو الإخلال بالالتزامات الدستورية المترتبة على أداء اليمين.
وفي تفسيره لقرار المحكمة، رجّح ضياء الدين أن يكون الهدف تجنّب تعقيد المشهد السياسي، في ظل ظروف وصفها بالحرجة، تشمل توترات إقليمية وتحديات أمنية واقتصادية، فضلاً عن وجود حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات، إلى جانب مخاوف تتعلق برواتب الموظفين واستمرار تصدير النفط.
وأشار إلى أن المحكمة ربما سعت إلى احتواء الأزمة وعدم تصعيدها عبر إدانة إحدى السلطات، خصوصاً بعد المضي بانتخاب رئيس الجمهورية والدخول في مرحلة تكليف رئيس مجلس الوزراء.
يُذكر أن الحزب الشيوعي العراقي والتيار الاجتماعي الديمقراطي قدما دعوى قضائية ضد رئيس مجلس النواب إضافة لوظيفته، على خلفية عدم الالتزام بالمدة الدستورية المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية.
وقدم وكيل المدعين، المحامي زهير ضياء الدين، لائحة جوابية إلى المحكمة، تفيد أن أعضاء مجلس النواب خالفوا اليمين الدستورية التي تلزمهم بالالتزام بالتشريعات النافذة، وفي مقدمتها الدستور، الذي ينص على انتخاب رئيس الجمهورية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ أول انعقاد للمجلس، معتبراً أن عدم الالتزام بهذا النص يستوجب أخذه بنظر الاعتبار عند إصدار الحكم.