المقدمة:

تعد المرأة الريفية، الركيزة الاساس في المجتمع الريفي ومسيرته التنموية، وأحد العناصر المهمة في عمليات الانتاج الزراعي بشقية النباتي والحيواني فضلا عن دورها في تربية الاطفال ورعايتهم  وادارة شؤون المنزل، يضاف إلى ذلك دورها كأم وزوجة، و دورها الهام إلى جانب الرجل في مزرعة العائلة أو مزرعة الغير، ولا نبالغ ان مهامها الانتاجية الزراعية في كثير من الاحيان تفوق مهام الرجل، اذ تشير تقارير منظمة الاغذية والزراعة العالمية، أن المرأة الريفية مسؤولة عن انتاج 60 – 80 بالمائة من الاغذية في الدول النامية، وان نسبة النساء اللواتي يعملن في الزراعة من بين النساء العاملات تتساوى عادة مع مثيلتها من الرجال او تزيد عليها في معظم دول العالم. ولا تختلف المرأة الريفية في العراق عن نظيراتها في بلدان العالم فهي تشكل نصف المجتمع الريفي والذي يشكل 30 بالمائة من سكان العراق، وهي تمثل إحدى الموارد البشرية العاملة في القطاع الزراعي وتعد مرتكزا اساسا لتطوير العنصر البشري الريفي الزراعي وذات أهمية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، كما يمكن ان تكون استراتيجية واعدة لمكافحة الفقر والجوع بشكل فعال.

تؤدي المرأة الريفية ادوارا عدة في الانتاج الزراعي العراقي، اذ تصل نسبة مساهمتها بالإنتاج النباتي ما يقارب 70بالمائة في العزق والحرث والغربلة والترقيع وتحضين الشتول، ويعد دورها غير مستقل عن دور الرجل في هذا المجال إذ تتكامل الادوار معا في العمليات والانشطة الزراعية، سواء كان في انتاج الخضر او المحاصيل الاستراتيجية. اما في مجال الانتاج الحيواني فتصل نسبة مساهمتها ما يقارب 80 بالمائة، وعادة ما يتأثر هذا الشق بالعوامل الاجتماعية السائدة، اذ يرتبط ارتباطا وثيقا باستثماراتها الشخصية. تقوم النساء بتربية الاغنام والابقار والماعز وفي عمليات جمع العلف والرعي وتنظيف الحظائر وجمع البيض والحلابة وتنقيتها من الشوائب وايضا تخزينها في الأماكن المناسبة للحفاظ عليها من التلف وضمان التخزين، وغالبا ما تكون ضمن مساحة الدار التي تسكنها (مشروعات أسرية) فضلا عن نشاط تسويقها ببيع الحيوانات ومنتجاتها المختلفة. يضاف إلى ذلك دورها في الصناعات الفردية (الصناعات الحرفية) كمشروعات شخصية لدعم دخل الأسرة مثل صناعة السجاد والحصير والصناعات الجلدية والتطريز وعمل البساط والسلال والسجاد وغيرها، ويكون الهدف منها تحسين الوضع الاقتصادي للأسرة، وتقتصر أغلب النشاطات على أعمال تقليدية. كذلك، دورها في الصناعات الغذائية البسيطة من منتجات الألبان مثل الجبن واللبن والزبد وغيرها التي تساهم بتوفير الغذاء للأسرة وتسويق الفائض. ومن هنا جاءت فكرة المشاريع الصغيرة التي تحقق ارباحا جيدة للمرأة وأسرتها.

التحديات والمشكلات:

تواجه المرأة الريفية فجوات في الميادين التنموية تعود إلى التمييز القائم على النوع الاجتماعي وبما يجعل المرأة أكثر عرضة لتداعيات الفقر، اذ غالبا، لا تتمتع النساء في الاقتصاديات الريفية بإمكانية الوصول إلى الاصول الطبيعية مثل الارض والمياه او السيطرة عليها مما يقلل من احتمالات احتفاظهن بالدخل المتولد من هذه الأصول، وان تمتعت بالفرصة الاقتصادية فأنها تميل إلى إدارة قطع أراض أصغر من الرجال. كذلك يعملن بشكل عام في مواقف أكثر خطورة بعقود موسمية فقط، فضلا عن المشاركة في الانشطة الاقتصادية كعاملات مساهمات في الأسرة بدون أجر وهذا يعكس تمييزا واضحا ضد المرأة وخللا في توزيع الادوار الاجتماعية والاقتصادية بينها وبين الرجل.

تواجه المرأة الريفية معوقات متنوعة أثناء ممارسة دورها في الانتاج الزراعي ومحاولة تذليلها بغية اندماج النساء الريفيات في عملية التنمية على أحسن وجه ومن تلك المعوقات ما اساسه تعليمي واجتماعي واقتصادي وذا طابع مؤسساتي.

 تعليم المرأة الريفية:

كشفت منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) في ايلول عام 2010، ان نسبة الامية في العراق تقدر 20    بالمائة وان النساء الاكثر تأثرا بها، لا سيما في المناطق الريفية. إن تعليم المرأة الريفية وتنويرها يؤهلها للتمتع بمزايا حقوق الانسان لأن مستوى التعليم والفرص المتاحة لها في الجانب التعليمي يمنحها فرصة التمتع بالحقوق والحريات الاخرى كحرية تلقي المعلومات وحرية التعبير عن الرأي وفرصة المشاركة في التصويت والترشيح للعمل السياسي ونيل حقوق مدنية وسياسية وانسانية كثيرة، لن تتمكن المرأة الريفية من الوصول اليها او المطالبة بها في ظل عدم حصولها على فرصة التعليم أولا، فضلا عن ذلك، ان المرأة الريفية لن تتمكن من الحصول على الحقوق الاقتصادية المتمثلة بالحصول على فرصة عمل والحصول على أجر مساو للرجل، والاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي وتبني التقنيات الزراعية الحديثة و تطوير الممارسات الحسنة المستدامة في العمل الزراعي . اظهرت بيانات مسح الرصد وتقييم الفقر في العراق لسنة 2017-2018 ارتفاع نسبة النساء الريفيات الأميات بعمر 10 سنوات فأكثر 27.3 بالمائة مقارنة بنسبة النساء في الحضر 14.7 بالمائة، كذلك نلاحظ ارتفاع نسبة من هن لا يعرفن القراءة والكتابة 29.8 بالمائة في الريف مقارنة بالحضر 19.4 بالمائة، ونلاحظ ايضا انخفاض نسبة الريفيات عن النساء بالحضر في باقي مراحل التحصيل التعليمي مما يستوجب وضع حلول للحد من هذه الظاهرة. يضاف إلى ذلك، ان عدم التعلم لا يعني عدم القراءة والكتابة، فحسب، بل يعني عدم توافر الشروط لتقبل الغير واستيعابه. 

 المعوقات الاجتماعية:

تقف عوامل اجتماعية عدة عائقا امام المرأة الريفية منها، نظرة الرجل التقليدية وقلة ادراكه لدورها، وضعف المستوى التعليمي والفني والثقافي لدى المرأة الريفية، وبدائية الأساليب التي تستعملها في ادارة شؤون حياتها، فالمجتمع لا يزال ينظر إلى عمل المرأة، بصفة عامة بالحذر والتردد والقيود والعقوبات التي يفرضها المجتمع عند مزاولة المرأة لبعض الاعمال الزراعية، وصورة المرأة كما ترسمها الثقافة السائدة لا تشجع على ترقب تغيير سريع في دور المرأة. فالواقع الاجتماعي يفرض على المرأة الريفية في العراق ان تكون أسيرة للعادات والتقاليد والمفاهيم الخاطئة للتشريعات الاسلامية، التي تمنعها من ادارة العمل الزراعي بشكل منفرد، وقد يحكم ذلك مكانتها في الأسرة من ناحية العمر او الحالة الاجتماعية او الحالة المادية للأسرة او مستوى التعليم. يضاف إلى ذلك العنف الموجه إلى المرأة والذي يقوم على قوة الاكراه والشدة ويتسم بدرجات متفاوتة من التمييز والاضطهاد والقهر والعدوانية وناجم عن علاقات القوة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة في المجتمع والأسرة والذي يتخذ اشكالا نفسية وجسدية متنوعة في الاضرار ويتجسد بالإيذاء المباشر وغير المباشر للمرأة باليد او اللسان او السلوك. 

معوقات المشاركة الاقتصادية:

تعد المرأة الريفية أحد الموارد البشرية العاملة في القطاع الزراعي، وان إهدار هذا العنصر وجهوده وانتاجيته وتأثيراته يمثل بلا شك سوء استغلال واضح للموارد المتاحة في المجتمع الأمر الذي من شأنه ان يؤخر جهود التنمية ويشوه مساراتها ومخرجاتها، اذ تشير تقديرات مديرية احصاءات السكان والقوى العاملة، ان النساء في المناطق الريفية 5673250 بنسبة 30.1 بالمائة من اجمالي تقديرات النساء البالغة 18862929. اي ان النساء الريفيات يشكلن حوالي ثلث نساء العراق. كما اظهرت بيانات مسح رصد وتقييم الفقر في العراق لسنة 2017-2018 ان معدل النشاط الاقتصادي لا زال منخفضا مقارنة بالرجال، وان معدل البطالة في النساء الريفيات 24.5 بالمائة وهو أقل من معدل النساء بالحضر بنسبة 32.3 بالمائة مما يؤشر إلى فرص أكبر بتشغيل العاطلات عن العمل في المناطق الريفية وذلك لتوفر مهارات يدوية ومعرفية في الصناعات الغذائية والحرفية التقليدية فضلا عن تربية وانتاج الثروة الحيوانية.

 لا زال التمويل المالي ضعيفا ومنه القروض الممنوحة للمشاريع الصغيرة، بالرغم من وجود صناديق اقراضية تخصصية للمرأة الريفية منذ عام 2008 والتي كان لها دور كبير في توزيع القروض الزراعية للمرأة الريفية وبواقع 5000 إلى 8000 امرأة ريفية سنويا على مستوى البلد، منها انشاء صندوق خاص للمرأة الريفية عام 2012 بهدف تحسين وتطوير النشاط الزراعي الاساس الذي تعمل فيه المرأة الريفية ونشر مستجدات التقنيات الزراعية في عملها. وتشير نتائج البحوث والدراسات عن هذا المبادرة، ان مجال الثروة الحيوانية احتل المرتبة الأولى في توزيع المقترضات والحاصلات على القرض الزراعي، وان معظم المقترضات هن من الفئة الشابة ويجيدن القراءة والكتابة وأغلبهن يعملن في المجال الزراعي الحيواني فضلا عن ان معظمهن من الحالة الاجتماعية الخاصة (أرامل، مطلقات) وان اعلى مجالات للمشكلات التي تواجه المقترضات هي المشكلات المصرفية، المشكلات الخاصة، يليها المشكلات التسويقية وعدم وجود مصانع تحويلية للاستفادة من الناتج الزراعي. وان نصف المقترضات جاءت درجة مستوى استفادتهن من مشاريع القروض الزراعية ضعيفة. لذا يتطلب العمل تدريب الريفيات على كيفية استحصال القروض المصرفية فضلا عن تعزيز هذه المبادرات للمشاريع الصغيرة. 

معوقات مؤسساتية:

إن تطوير المرأة الريفية هي عملية هادفة ومستمرة وشاملة تشترك بها عدة اجهزة تنموية حكومية وغير حكومية على المستوى الدولي والعالمي والاقليمي. وتعد منظمة الارشاد الزراعي إحدى الاجهزة التنموية التي تهدف إلى احداث تغييرات سلوكية لدى النساء الريفيات في العراق، اذ تعدهن احدى الفئات التي تتعامل معها وبالتالي هي تسعى لسد حاجتهن الارشادية في مجالات حياتهن المختلفة. مما يستلزم تنظيم العمل الارشادي مع المرأة الريفية، ورفده بالكوادر المؤهلة والمدربة اللازمة في مجال عملها الزراعي والمنزلي. الا ان واقع العمل الارشادي المؤسساتي، اتجاه المرأة الريفية، لا زال تقليديا، فالدراسات البحثية توصف تنظيم إرشاد المرأة الريفية في البلد، بالضعف في جميع عناصره التنظيمية ولا يتناسب حجمه مع أعداد النساء الريفيات وأدوارهن المتعددة في المجال الزراعي والمنزلي، وقلة عدد المرشدات الزراعيات العاملات في مجال المرأة الريفية في المستوى التنفيذي للنشاطات الارشادية والتدريبية، والذي يمثل مستوى الاتصال المباشر مع النساء الريفيات، وغياب البرامج والمشاريع الارشادية  التطويرية في مجال المرأة الريفية في عموم البلد.

الاستنتاجات:

مما سبق يتضح ان معظم المعوقات والمشكلات التي تحجم دور المرأة الريفية العراقية في العمل والانتاج الزراعي، هي معوقات مرنة ومشاكل قابلة للحل، فعملية ايجاد الحلول ووضع البدائل الاستراتيجية والتنموية والتخطيطية كفيلة بتذليل تلك المعوقات، وبالتالي تمكين المرأة الريفية على القيام بدورها الكامل في تحقيق التنمية الزراعية. وبالرغم من المشاركة الواسعة والفعلية للمرأة الريفية في العمل الزراعي في العراق، الا ان تسليط الضوء على جهودها ومشاركتها كان ضعيفا، بسبب هيمنة الرجال على هذا القطاع الاقتصادي في العراق من حيث ملكية الاراضي الزراعية ووسائل الانتاج. وهناك الكثير من المشكلات التي تعاني منها المرأة الريفية، اهمها المشكلات المالية، اذ يؤشر ضعف الاستقلال اقتصادي للمرأة الريفية بفعل العادات والتقاليد، الا انه يؤشر ارتفاع الاستقلال الاقتصادي في مجال الثروة الحيوانية والصناعات الحرفية والغذائية التقليدية. كذلك يستنتج افتقار المرأة الريفية للدعم الحكومي المؤسساتي على ارض الواقع وما موجود من نشاطات، غير كافية لدعم المرأة كما أنها غير فعالة ولا تحقق الاهداف المرجوة منها. بالإضافة إلى صعوبات الإجراءات المصرفية الخاصة بالقروض الزراعية. فضلا عن ذلك، القيود الاجتماعية والدينية وارتفاع معدلات الامية وغياب الرعاية الصحية، كل ذلك يشكل عائقا كبيرا امام المرأة الريفية في تطوير قدراتها وتحسين مستوى حياتها الاسرية والاقتصادية. 

المقترحات:

يمكن ان نضع مجموعة من المقترحات القابلة للتطبيق، منها: تسليط الضوء على نشاط المرأة الريفية في العراق من خلال مختلف وسائل الاعلام المرئية والمسموعة واقامة النشاطات المختلفة منها المعارض الزراعية والمسابقات وغيرها لتشجيع عمل المرأة الريفية في العراق. التشجيع الحكومي المؤسساتي للمرأة الريفية من خلال سياسة القروض الميسرة لدعم الفعاليات الزراعية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تقوم بها المرأة الريفية. تمكين المرأة الريفية من القيام بنشاطات اضافية تدر مدخلات اضافية للزراعة مثل القيام بصناعات مرادفة لما يزرع في المزرعة. توفير البيانات الاحصائية الدقيقة عن أعداد النساء العاملات في الزراعة وكل خصائصهن في العراق. وانشاء مراكز ارشادية نسوية في كل مناطق العراق الزراعية تأخذ على عاتقها ارشاد وتوعية وتدريب النساء العاملات في الزراعة بطرائق الزراعة الحديثة والتسوق والتخزين وجعلها حلقة وصل بينها وبين المؤسسات الزراعية في الدولة. والخروج من نمطية التعليم الزراعي التقليدي باتجاه نحو انشاء مدارس زراعية مهنية متخصصة لتعليم المرأة الريفية في العراق، والتجربة الهندية خير مثال على ذلك، والاستفادة من تقنيات الاتصالات الحديثة في هذا المجال. ان جزءا كبير من هذه المقترحات قابلة للتحقيق ويمكن ان تتبناها منظمات المجتمع المدني او منظمات انسانية. 

المصادر:

منظمة الاغذية والزراعة العالمية (الفاو)،.2020

حسين، انتظار ابراهيم، 2020، دور المرأة الريفية العاملة في تنمية الانتاج الزراعي، بحث منشور في مجلة ابن خلدون للدراسات والابحاث، المجلد الثاني، العدد التاسع، العراق.

اسكندر، وسن وديع، الطائي، حسين خضير، 2016، مساهمة المبادرة الزراعية في تحسين واقع المرأة الريفية في محافظتي بابل وكربلاء المقدسة، بحث منشور في مجلة العلوم الزراعية العراقية،7(6)، 1528 -1540.

الجهاز المركزي للإحصاء، 2019، واقع المرأة الريفية في العراق.

اسكندر، وسن وديع، 2013، واقع تنظيم إرشاد المرأة الريفية في بعض محافظات المنطقة الوسطى في العراق وسبل تطويره، رسالة ماجستير غير منشوره، جامعة بغداد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ماجستير ارشاد ونقل تقنيات زراعية