تقول وزارة التخطيط والجهات الحكومية أنها ستجري التعداد السكاني لكنها لا تنفذ ذلك لأسباب مختلفة. وشهد العراق آخر تعداد للسكان في عام 1997 ليغيب طيلة هذه الفترة رغم أهميته بالنسبة لعملية التخطيط والإدارة وتوزيع الثروات ولجوانب متداخلة في السياسة والاقتصاد وغيرها.

ويؤكد مختصون ومراقبون أن عدم إجراء التعداد يعود لعوامل سياسية تؤثر على الملف وتمنع تحققه لأنه يمس مصالح المتنفذين، التي لا بد من حمايتها بالنسبة لهم، فضلا عن ترصينه مبدأ النزاهة ومعرفة مصير الكثير من الأموال وكيفية إدارتها.

السياسة الحالية تمنع حصوله

يقول الكاتب والمحلل السياسي نظير الكندوري، أن التعداد السكاني يمثل أحد الأسباب المهمة التي يمكن أن توازن الأمور في بلدنا المضطرب، وتساهم في حقن الكثير من المشاكل التي تتعمق منذ التغيير وحتى الآن، لكن الأمر لا يتحقق بسبب تعارضه مع الأجندات التي تحملها الأحزاب الحاكمة لذلك هي لا تدعم هذا التوجه المهم.

ويتحدث الكندوري مع “طريق الشعب” قائلا: أن “القوى المتنفذة داخل السلطة تعمل على هندسة الديموغرافية العراقية وفق مقاساتها وبما يناسب مصالحها. لقد كانت توحي من خلال خطاباتها ومنصاتها الإعلامية بأن هناك مكونات أكثر من غيرها، وبالتالي هي تزايد بهذه الورقة وتستخدمها للمساومات والمفاوضات للحصول على الأفضلية العددية داخل البرلمان والسلطات لقيادة البلد”.

ويوضح المتحدث أن “التقسيم الحالي للبرلمان من خلال عدد المقاعد النيابية على عدد المحافظات، يجعلنا نلاحظ أن هناك أعدادا متفاوتة بين المحافظات، فمنها تمتلك أكثر من غيرها رغم أن لا أحد يعلم العدد الدقيق للسكان والزيادات المتسارعة. سعت القوى الحاكمة إلى التغيير الديموغرافي من أجل توظيفه في المشهد السياسي، وهي بذلك تماطل في إجراء التعداد لأطول فترة ممكنة للوصول إلى مرحلة تضمن لهم تنفيذه ليظهر لها نتائج مرضية”، مردفا “كانوا هؤلاء يعولون على النفس الطائفي والعنصرية من أجل استغلال الأمر في التعداد، لكن الأمر الصادم هو انحدار مؤشرات الطائفية وتنامي الوعي الوطني خصوصا بعد انتفاضة تشرين التي رفعت شعارات التغيير ورسخت الأفكار الوطنية. أن هذا التوجه الجديد غير من المعادلة، فالقوى المتنفذة حاولت قبل ثلاث سنوات أن تجري التعداد وفق مقاساتها ولكن بعد هذا التغيير الهام عادت أدراجها ورفضت الفكرة وهي ترفضها الآن بشكل أكبر”.

يساعد على التنمية الحقيقية

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي صفوان طه، أن الهدف من التعداد من وجهة النظر الاقتصادية، هو المساهمة في عملية توجيه خطة التنمية.

ويقول طه لـ”طريق الشعب”، إن “معدلات التنمية بحاجة إلى مدخلات. التعداد ضروري جدا لإدارة توزيع السكان في المحافظات والعاصمة ومعرفة مؤهلاتهم ومهاراتهم وأعمارهم وحاجاتهم من المدارس والطرق والبنى التحتية وغيرها”، مضيفا “الفكرة ليست بالتعداد نفسه، بل بآلية صناعة الإنفاق العام بما ينسجم مع توجه السكان والقدرات المتاحة وأن الموضوع بالتأكيد يساعد على إيجاد خطة للتنمية المستدامة والاستثمار في جودة الحياة من خلال هذه المؤشرات”.

ويوضح الخبير، أن “هذا الأمر يسهل معرفة عدد الذكور والإناث ومؤهلاتهم العلمية ومعدل أعمارهم وخطة نمو المدينة وما هو مستقبل مواردها وإنشاء تجمعات سكانية بأنماط معرفية مختلفة. من الناحية العملية، ستوجه مؤشرات السكان ونموه بقية المؤشرات الهامة، وتحدد توجهات الإنفاق سواء في القطاع العام أو الخاص”، لافتا إلى أن “عملية التعداد مؤشرة منذ سنوات وأن التلكؤ الذي حصل بخصوصها يعود إلى عوامل مثل الإرهاب وأحداث داعش المجرم وغيرها. التعداد يجب أن يكون الكترونيا ويحدد لكل عراقي الـ(دي أن أي) الخاص به ويكون بطاقات تعريفية لكل واحد لأن تطبيق هذه التقنيات الحديثة سيضمن تتبع حركة الأفراد بالإضافة إلى قزحية العين وهذا سيكشف عن الموظفين الفضائيين ويعزز مبدأ الشمول المالي ويوسع المشمولين فيه ويعالج ملفات هامة مثل العلاقة بين المركز والإقليم والحصص بين المحافظات وتوزيع الموارد بطريقة عقلانية. هي خطوة نحو استخدام الأسس العلمية في عملية التخطيط”.

ورهن ضمان نجاحها بـ”أن تكون هناك منظومة الكترونية تفتح لرب الأسرة ويتم وضع مؤشرات الأسرة فيها من حيث البطاقة الوطنية أو الجواز أو هوية الأحوال المدنية والتقاطع بالمعلومات للشخص قبل التعداد الفعلي ليكون التعداد للتأكد من البيانات المحملة على الموقع الالكتروني وبالتالي نربط الرواتب بهذه القاعدة ومن لديه دخل يتضح فعلا، وبهذه الآلية سيتحول القطاع الخاص غير النظامي إلى نظامي. إضافة إلى الكثير من الفوائد”.