الأدب الساخر نوع من الكتابة الأدبية التي تشتغل على الفكاهة والسخرية اللاذعة والانتقاد الساخر. هدفه التعبير عما يعتور المجتمع من نواقص في المجالات المختلفة: الاجتماعية، والسياسية، والعقلية، والخلقية.. إلخ. وهو أدب ذو أصول راسخة، وله جذور ضاربة في عمق التاريخ البشري حيث ظهرت أولى الكوميديات الساخرة في الأدب الإغريقي على أيدي كتابه المعروفين وأشهرهم Aristophanes)) أرستوفانيس الذي كتب (الضفادع، والزنابير، والطيور، وغيرها من المسرحيات بحدود الأعوام 446 – 386 ق.م) لقد خلّف لنا هذا الرجل خمسين نصا فكاهياً ساخراً لم يصلنا منها سوى أحد عشر نصاً غطّت معظم جوانب الحياة في بلاده وقتذاك. لقد سخر من كلّها ولم يَسْلَم من تسفيهه حتى الفلاسفة العظام وعلى رأسهم سقراط. كما سخر من السفسطائيين واتهمهم بشتى التهم. ويبدو أن كل مسرحياته بنيت على النكات والمبالغات والتسفيه والتحقير والنقد والسخرية اللاذعة. ولم يكن ليهتم فيما إذا كان انتقاده بناءً أو هداماً، ما اهتم به فقط هو الضحك الذي يجلب الرفاهة والراحة النفسية لأناس فقدوها. ويذكر أنه ألقي القبض عليه ذات مرة بتهمة خيانة (كليون) القائد بجريرة السخرية اللاذعة منه، فحكمت المحكمة عليه بغرامة لم تثنه ولم توقف سيل انتقاداته اللاذعة.

 عناوين بعض مسرحياته تشي أنه ركّز على موضوع الحيوان وهو الأقرب لهذا الجنس الفكاهي الساخر وقد كثر استخدامه سابقا (في أيامه) ولاحقاً (في الوقت الراهن وما قبله) كما اهتم بها بعض كتابنا المعاصرين ومنهم الكاتب محمد عفيفي الذي وضع كتاب (ابتسم من فضلك) وفيه قصة أو بالأحرى حكاية (كيف تشتري خروف العيد) والتي تضمنها هذا الكتاب مع 32 حكاية أخرى صدرت عن أخبار اليوم، في مصر. وفي هذه الحكاية ثمة سخرية مضمرة قد لا تكون مكشوفة منذ بدايتها، لكنها تكشف عن مكنونها فيما عند الاسترسال بسرد الحكاية، التي لم تخل من انتقاد واضح الى حد ما لطريقة ذبح الخروف الدموية، والسلوك البشري العام في مناسبة كهذه وهنا يتساءل الكاتب عما إذا يمكن أن تستبدل باستخدام المسدس أو الحقن في الوريد أو أي عقار يميت الخروف ميتة هادئة بلا ألم.

ومن النصوص المسرحية التي تناولت عيبا خلقيا مسرحية (سيرانو دي برجراك) لمؤلفها الشاعر الفرنسي أدموند روستان (1619- 1655) وعلى الرغم من سخرية كثيرين ممن يحيطون بهذه الشخصية إلا أننا بدونا متعاطفين معها متناسين عيبها الخلقي ولم تثر فينا ضخامة انف سيرانو أي نوع من السخرية أو التهكم أو الضحك ربما بسبب اختلاف الظرفين واختلاف وجهتي النظر بين الحاضر والماضي، فما كان مضحكاً بالأمس قد لا يكون مضحكاً اليوم. ومن هذا نستنتج أن الأدب الساخر كان يعنى بالقبح وتعريته، ولا يعنى بالجمال وسحره. وان الفصيح منه لم يستأثر به لنفسه فقد تجاوز ذلك الى اللهجة الشعبية شعراً وسرداً ولنا في هذا أمثلة كثيرة.

   وفي تاريخ الأدب العربي ثمة كتّاب برعوا في كتابة النصوص الساخرة وعلى رأسهم أبو عثمان الجاحظ 159هـ-255 هـ في كتابه (البخلاء) الذي روى فيه أخبار البخلاء في ذلك الزمان، وحكى قصصهم ومآثرهم إن كانت لهم ثمة مآثر. يقول الباحثون إن الجاحظ لم يسخر من البخلاء في هذا الكتاب وعدّوا الكتاب ذا أهمية علمية إذ درس نفوس البشر وطبائعهم وحركاتهم وكل ما له علاقة ببخلهم، وفي النهاية يجعلك تسخر من أدائهم وان لم يكن هذا مقصده أساساً، وعليه عدّ البخلاء من الأدب العربي الساخر. ثمة كتب محدثة تناولت جانب السخرية، ولكن بحكمة وتجرد مثل كتاب أدهم الشرقاوي (خربشات خارجة عن القانون) وكتاب يوسف معاطي (كوابيس مضحكة) وكتاب محمود السعدني (وداعا للطواجن) وقد ضمّ 18 حكاية منها (جحا المصري على مسرح الحياة) و(حساء شبل الأسد) و(غاندي ومعزته) ومن خلال العنونة أيضا نجد أن كتاب محمود السعدني لم يخل هو الآخر من تناول الحيوان في سرده. وهنا لا بد من الإشارة الى أن الحيوان ككائن لا يثير سخريتنا ولا يجعلنا نقهقه إلا فيما يقوم به من محاكاة طبيعية غير مقصودة لأفعال البشر فعندما ترى حمارا يشرب الماء من الصنبور مباشرة مثل البشر فان هذا يكون مدعاة للتندر والضحك على فعل هو في الأساس من أفعال البشر قام الحمار بتقليده، وهذه الفكرة تكاد تكون قانونا عاما من قوانين الضحك. وقد رأيت مرة شبابا قاموا بسكب الخمر في فم قرد صغير عنوة فظهرت عليه علامات السكر مما جعل الشباب يقهقهون بلا توقف بينما استمر القرد بالترنح كما لو كان كائنا بشرياً.

ومن الأدب الساخر الشعبي العراقي اشتهر في حينه الشاعر الملا عبود الكرخي وخاصة في قصيدته (المحالات) وهي من ستة مقاطع اخترت لكم منها الأبيات الآتية:

يصير بالكطنه يذبحون البعير... يصير هالجاموس إله جناح ويطير

يصير بعرور انزرع يطلع غنم ... يصير واحد خالي من هم وألم

يصير بالمنخل تسد عين الشمس... يصير لحم الكلب طاهر مو نكس

إيصير نملة تدفع الملوية ... إيصير من لندن تجي إمجاريه

وكذلك اشتهر من أولئك الشعراء الحاج زاير دويج وقصيدته الساخرة (أكعدي كعود يم طنّه):

وحديثا برز الشاعر مظفر النواب كأبرز شاعر ساخر في قصائد صارت أشهر من نار على علم حتى أن المثقفين العرب صاروا متابعين له ومنتظرين إطلالته الشعرية عليهم وقد انصبت سخريته أكثر ما انصبت على قبح الساسة العرب وتعرية ذلك القبح وميلهم للرجعية والذيلية والتبعية المفرطة يقول ساخرا في إحدى قصائده:

هل عربٌ أنتم؟

هل عربٌ أنتم؟

ويزيدُ على الشُّرفةِ يستعرِضُ أعراضَ عراياكُم

ويوزِّعُهنَّ كلحمِ الضَّأنِ لجيشِ الرِّدةْ!

هل عربٌ أنتم؟

واللهِ أنا في شكٍّ من بغدادَ إلى جَدةْ

هل عربٌ أنتم؟

وأراكُم تمتهِنونَ الليلَ

على أرصفةِ الطُّرقاتِ المَوبوءةِ أيامَ الشِّدةْ؟

   الأدب الساخر إذن لم يقتصر على نوع أدبي واحد، ولم يتخصص بجنس دون غيره فقد كتب على هيئة مسرحية، وقصيدة، وحكاية، ومقالة صحفية وحتى على هيئة حكمة ومثالنا على هذا كتاب أدهم شرقاوي الموسوم (خربشات خارجة عن القانون) ومن الكتب المهمة الصادرة مؤخرا كتاب محمد غازي الأخرس الموسوم (كتاب المكاريد) عن مكتبة الفكر الجديد.

عرض مقالات: