تمثل أنوثة اللغة الشعرية الدالة على ما تطرحه الشواعر ضمن بوحهن الذاتي، صورة ذات أبعاد متباينة الرؤى، فالشاعرة الأنثى قادرة على مخاطبة عالمها الداخلي والخارجي وعلى وفق إرساليات تعبر عما يجول في عالمها الخاص، حيث تسمو في كثير من الأحيان لتصل إلى عالمها المكتظ بالحيرة والتساؤلات والهموم الحياتية حتى نجدها تطلق انطباعاً يوازي ما يكتبه الشاعر...

الشاعرة أزهار السيلاوي وفي مجموعتها النثرية (قبلة.. على جنح السراب)، تسير من حيث خطابها النثري ضمن مسارات صوتية متحركة، حيث أن صوتها تفرّع الى: صوت طفولي متمسك بعشقه الصغير الذي لا يمكن الانسلاخ منه بسهولة، كونه يشكل وحدة ماضوية مشبعة بالاستقرار والتحليق بالخيال والعالم البسيط الهادئ الذي لا تثقله الفوضى وتداعيات الزمن المتعب، وهي صوت أنثوي غائب حيث يتوارى الصوت وراء لحظة الضمير الغائب حينما نجد الشاعرة تختفي وراء كمّ هائل من التحفظات التي تجعلها تلجأ لضرورات اضطرارية، كما انها صوت أنثوي متكلم حاضر وفاعل مندمج مع ما حوله من فضاءات كبيرة وهي اشتراكية الصوت الأنثوي المختفي وراء الصوت الذكوري، ولعل هذا عائد الى كتابتها الأولى.

هذه الاشتغالات التي حرصت عليها السيلاوي في الدخول الى ذاكرتها المملوءة بتفرعات حياة متشعّبة ، حيث منحتنا القدرة على تتبع ما يدور في فكرها ومحاولة فهم مضامينه والبحث عما يتضمنه...

لكنه تذكر فجأة

أن طائرته الورقية

تطير في الهواية

وأن الأطفال يلعبون

في الأراجيح

على المروج

وليس تحت الماء/ ص 10 - تهويدة  

هكذا هي مخيلة الأطفال تعتمد على استرجاعية الحلم البسيط غير المركّب/ المعّقد، إنهم يعشقون الحياة ويحبونها بتفاصيلها البسيطة، فمفردة (فجأة) كانت أشبه بصدمة وعي استرجاعي ضاجّ، من أجل التحفيز الدلالي لما يأتي فـ (الطائرة الورقية/ الأراجيح) تشكّل محركات لحياة الطفولة وحلم يدور في خلدهم، هكذا استطاعت السيلاوي أن تأخذنا في دائرة ذاكرتها الطفولية، وهي ترسم صورة غضّة واضحة المعالم بسيطة المعنى.

لكنها

تشهق ملتاعة آخر الليل

لا أحد يقرأ جراحها

فهي تحرس عناقيدها بالشفاه/ ص 16 - لهفة المساء

هنا تطلق الشاعرة بوح صوت الذات الغائبة، بأنفاس تنمّ عن وجع يومي مشترك، وبأسلوب يتماهى مع الذات الأخرى، كما تحاول أن تنقل معاناة أنثى لا يمكنها إلا أن تطلق صرخة موحدة لما تعانيه من أنوثة مهمشة وغياب متكرّر، فقد حفّز الفعل (تشهق و تحرس) بواطن الوجع الأنثوي المتراكم، إنها لا تستطيع أن تفلت من قبضة ذلك (الليل الثقيل/ الجراح) اللذين كانا سبباً في هيجان اللوعة المفرطة.

أعرف دروباً بنفسجية

تقودني الى أنامل الذكرى حيث تغازلني

أشواك غيابك

وحيدة أفتش في السراب عن أمنية

ثملت بحشرجات العناق/ ص 28 – جذوة غياب.

في هذا المقطع نجد السيلاوي بحضور الذات الفاعلة، حيث يظهر صوتها جلياً وواضحاً من خلال الأفعال (أعرف/ تقودني/ تغازلني/ أفتش) فضمير المتكلم (أنا) أثبت صوتها المنطلق من عمق الداخل، انها أنثى لها أحلامها الملونة وذاكرتها ووحدتها وأمنياتها وحشرجاتها التي لم تزل تعانق الغزل، إنها صورة الذات الناطقة بمجسات الرغبة الباحثة عما في ذلك حضور دال.

في كل يوم

لا أحد هناك

ينفخ غبار راقد عن جدار مظلة

يمشي ويتوجس طيفاً ما

فيوقظ الحلم فيه/ ص5 – قبلة على جنح سراب.

يبدو في هذا المقطع تغليب الصوت الذكوري عن طريق مشتركات الصوت الأنثوي، فالشاعرة لم تستطع الانفلات من هذا الأمر الذي أبعدها عن مكنونها المستقلّ، فلقد حولّت هذا الصوت وبملء ارادتها الى اشتراكية موحدة، لتختفي من ورائه وهي تعلن عن رغبات امرأة تنازلت عن الكثير مما لديها من أجل احضار الآخر، كيف تفتح أمامه أفقاً واسعاً، فنلاحظ (ينفخ/ يمشي/ يتوجس/ يوقظ) تشير الى الذكورية الغائبة التي تشكل وحدة اتصالية فاعلة ضمن دائرة الحياة المتكاملة.

أزهار السيلاوي شاعرة استطاعت أن توجّه صوتها في مسارات دالة ومختلفة، حيث البعد الانساني المتمثل بحضوره الضاغط باطنياً.