ينبه الأديب والفيلسوف (جبران خليل جبران) إلى أفضل أنواع المعارف التي تسهم في تطوير الانسان التي تأتي في سياق معرفة النفس وادراكها؛ فهي مهارة عالية وغاية المعرفة ومنتهاها، كما أنها باب الولوج نحو المعارف جميعها؛ لأن الذي يجهل نفسه يكون جاهلا بكل المعارف المحيطة به.

     يفتتح جبران عتبة عنوان نصه بضمير المخاطب بقوله: (أنت سابق نفسك)؛ فيتنقل بشكل مباشر نحو مخاطبة القارئ، وخلق حافز قوي فيه، وتحد عال داخل نفسه نحو معرفة الكيفية التي يصبح فيها الانسان سابقا لنفسه، وهل يمكن للإنسان أن يسبق نفسه أم يسبق الاخرين؟ ان المتلقي كان العنصر الأكثر حضورا في القصة؛ بسبب توجه الخطاب اليه بشكل مباشر ومحفز وشائق.

     جسد المشهد الحواري بين المتكلم والمخاطب (النفس الواعية) بعدا تواصليا شبيها بالعرض المسرحي الى الحد الذي أصبح فيه المتلقي جزءا لا يتجزأ من النص الحكائي بقوله : “ أنت سابق نفسك يا صاح ،وما الأبراج التي أقمتها في حياتك سوى أساس لذاتك الجبارة ،وهذه الذات في حينها ستكون أساسا لغيرها”  .

    بعد أن خاطب الأديب المتلقي في عتبة العنوان ووصفه بفعل السبق ، انتقل بعد ذلك إلى الكيفية التي تجسد فيها هذا السبق، والاولوية في ممارسة هذه المهارة احتلتها مباراة  الذات الواعية التي تستطيع أن تدرك النفس وتتقدم عليها بمراحل ،يرى ابن سينا “ أنَّ أهم شيء في التربية ،هو معرفة النفس ،ويعتقد أنّ الإحساس الباطني والتدبر في النفس أفضل طريق لإدراك الذات”.

   إنّ الجهل بمعرفة النفس يكون عائقا أمام تقدمها ويؤثر سلبا على تطور الانسان؛ لأنه يجعلها ثابتة على وتيرة واحدة لا ترتقي سلالم الكمال، وهذا ما جسده المبدع في مخاطبة الذات الواعية الموسومة بالارتقاء التي ستكون أساسا راسخا للأجيال اللاحقة، واختزلت تلك الفكرة في جملة (وما الأبراج التي أقمتها في حياتك سوى أساس لذاتك الجبارة، وهذه الذات في حينها ستكون أساسا لغيرها).

    بعد هذا ينتقل الأديب نحو الحديث عن نفسه بضمير المتكلم بقوله: “وأنا مثلك سابق نفسي، لأن الظل المنبسط أمامي عند شروق الشمس سيتقلص تحت قدمي عند الظهيرة، وسيعقب هذا الشروق شروق آخر، فيحدث ظلاً ثانيا أمامي، ولكن هذا الظل عينه سيتقلص تحت قدمي أيضا في ظهيرة أُخرى”.                                                                  

    يوضح الأديب الأسباب التي تجعله يسعى نحو مباراة نفسه لتطويرها في سياق تشبيه حال النفس الراكدة معرفيا بالظل الذي يتعرض الى انكسارات متعددة بمعنى أنه لا يكون مرآة صادقة عن الذات نفسها ومن ثّم عن ذوات الاخرين؛ فالظل يعد انعكاسا لصاحبه بما يحمله من معارف، والخلل الحاصل فيه لا يعطي رؤية واضحة عن الحقائق المحيطة بنا، فهو يسعى إلى إيصال فكرة مفادها أنَّ إدراك العالم بما فيه مرهون بإدراك الانسان لنفسه بالشكل الذي يمكنه من إدراك الاخرين؛ فعندما يدرك الانسان نفسه ويكون سابقها فسيكون في يدي الله أي قريب منه مدرك لوجوده الذي سينعكس على ادراكه ووعيه، كما في قوله بضمير المتكلمين: “وها نحن الآن في يدي الله فأنت شمس منيرة في يمناه وأنا أرض مستنيرة في يسراه ،ولكن قوتك على الانارة ليست بأفضل من قوتي على الاستنارة “.

     شبه الوعي في القول السابق بالشمس التي لولاها لانعدمت الحياة على الأرض، أما الشخصية الرئيسة فشُبهت بالأرض الوساطة الرئيسة لانتقال ضوء الشمس التي جسدت الاستنارة بقوله (ولكن قوتك على الانارة ليست بأفضل من قوتي على الاستنارة) وهذا يؤشر على أن مهمة الاستنارة لا تتأتى الا لمن كان أهلا لها فمن يستنير بنور الوعي يكون اهلا لما حمله.

     يربط الأديب وجود الانسان بوعيه في سياق قوله: “عندما كنت يا صاح فكرة هائمة في الضباب، كنت هناك فكرة هائمة مثلك فنشدتك وناديتني، فكانت من تشوقاتنا الاحلام، والاحلام كانت زمانا بلا قيود، والاحلام كانت فضاء بلا حدود”  ،فشخصية (صاح) اختزلت الوعي الذي بغيابه تغيب شخصية الانسان وكيانه ،وهذا الوعي يشترط لتحققه أن نسعى إليه وننشده كي يكون سبيلا لتحقيق أحلامنا الواسعة.

عرض مقالات: