صدر حديثا عن “دار درج للنشر والتوزيع” كتاب “منحوتات بغداد بين الفن والسياسة” تأليف المهندسة المعمارية ميسون الدملوجي، وهو الكتاب الثاني للمؤلفة بعد كتاب اصدرته في وزارة الثقافة عن مبنى القشلة، ولها دراسات باللغة الانكليزية فضلاً عن رئاسة تحرير مجلة “نون” للمدة من 2004 - 2006 .

والكتاب كما تصفه المؤلفة هو “دراسة الفن في الفضاء العام كوسيلة لتحفيز هوية وطنية في مجتمع يعاني من الصراعات”.

في مقدمة الكتاب اختارت المؤلفة أبياتاً من قصيدة سعدي الشيرازي في رثاء بغداد بعد غزو هولاكو وتدميرها، لما فيها من إشارات الى الخراب الثقافي والمعرفي الهائل الذي تعرضت له المدينة آنذاك. والكاتبة ترمز باختيارها هذه القصيدة الى ما يمر به البلد اليوم من خراب ثقافي ومعرفي، وقد أهدت كتابها الى شباب الانتفاضة الذين أعادوا الامل، في اشارة واضحة الى ان العراق مهما جار عليه الزمان بامكانه ان ينهض من جديد ليستعيد عافيته وعنفوانه.

ونستنتج إن علاقة التظاهرات برمزية النصب والمكان تمثل محور هذه الدراسة ونقطة الانطلاق منها، حين تؤكد لنا الكاتبة ان فكرة الكتاب تبلورت بعد سلسلة تظاهرات قام بها الشباب منذ عام ٢٠١١ في ساحة التحرير وهي تطالب بالاصلاح السياسي والاداري.. وصولا الى انتفاضة الشباب في تشرين الأول عام ٢٠١٩ التي انطلقت في عدد من محافظات العراق، ولكل محافظة عمل فني او حضاري يمثل رمزا وطنيا التف حوله المتظاهرون وكان منبعا لقوتهم وثباتهم، ففي بغداد اختار شباب الانتفاضة من نصب الحرية في ساحة التحرير معقلا لتظاهراتهم وهتافاتهم واصرارهم على التمسك بموقعهم بوصفه رمزا للحرية ووحدة البلاد، بعيدا عن الاثنية والطائفية..

ومن رمزية هذه النصب وعلاقتها بالشعب وتاثيرها على المجتمع تنطلق الكاتبة في تعزيز بحثها من رؤية واعية وثقافة عالية ومصادر موثوقة لتؤكد لنا ان الثقافة بضمنها الموروث الثقافي والفنون والعمارة وتخطيط المدن تلعب جميعها دورا مهما في اعادة احياء الهوية الوطنية في مجتمع يمتلك كل عناصر الاعتزاز والفخر بماضيه العميق دون الخوض في عملية الحنين الى الماضي برؤى مهلهلة وغير واقعية.

والكاتبة في بحثها هذا تطرح ايضا الحلول التي تتبنى الواقع المعاصر والطبيعة المتغيرة والنمو السكاني المتسارع في المجتمع العراقي، وليس الحنين الى ماضي جميل من صنع الخيال، وهي اذ تطرح فكرة استخدام الفضاء العام كوسيلة لاجتذاب المجتمع بعيدا عن الانتماءات الفرعية التي اختارها او فرضت عليه في السنوات الاخيرة، انما تبحث عن اعادة لحمة الشعب العراقي واحياء الهوية الوطنية وذلك بتحليل النصب والتماثيل في تنصيبها وازالتها من شوارع بغداد بشكل متواز مع الاوضاع العاصفة التي مر بها العراق في مراحل مختلفة.

والكتاب الذي يقع في 198 صفحة معززة بصور التماثيل والنصب في بغداد مع فهرس الاعلام والمصادر الموثوقة، يتناول في فصله الاول بداية تأسيس الدولة العراقية، ومحاولة بناء هوية وطنية باستلهام رموز تاريخية عربية او اسلامية حينا وعراقية حينا آخر. وفي الخمسينيات حسم مجلس الاعمار النقاش باعتماد فكر الحداثة ومنهجه، والابتعاد عن الصراعات التي يحفل بها التاريخ.

أما الفصل الثاني فقد درس الطبيعة الرمزية لساحة التحرير ونصب الحرية الذي تحتضنه، ضمن السياق المكاني والتاريخي، والحركة الاحتجاجية الاصلاحية التي اقترنت به.

ويتناول الفصل الثالث فترة الستينيات والسبعينيات التي تميزت بوفرة إنتاج الاعمال الفنية في الشوارع والتقاطعات، ثم مرحلة الحرب العراقية الايرانية والنصب التي اقترنت بها، وما تعرض له بعضها من ازالة في فترات مختلفة، مرورا بالنصب التي شيدت بعد 2003، والرسم على جدران نفق التحرير.

ويقف الفصل الرابع والاخير على الحاضر والمستقبل، ويطرح الاهتمام بالفن في الفضاء العام كوسيلة لاعادة بناء الهوية الوطنية.

والكتاب وان كان قد أشار في عنوانه الى الفن والسياسة والهوية الوطنية الا انني رأيت فيه ايضا دراسة معمقة في طبيعة المجتمع العراقي وتاريخه باشارات خاطفة تحفز على البحث والتوسع في الدراسات المستقبلية، فهو يوثق لمرحلة مهمة وانعطافة خطيرة في تاريخ العراق الحديث بالتركيز على انتفاضة تشرين والانطلاق منها الى سبر اغوار المجتمع العراقي، وهي مرحلة بحاجة للبحث والدراسة والتأمل.. نظرا للحوادث المهمة التي حفلت بها، وما رافقها من عواصف شديدة متعددة البواعث ومختلفة النزاعات والغايات عصفت بالعراق وشعبه.

بعد قراءتي للكتاب والنبذة المختصرة التي قدمتها للقارئ ادعو الجميع لقراءته لما فيه من تفاصيل وموضوعات غاية في الاهمية الفنية والثقافية والتاريخية. قدمته المؤلفة باسلوب ممتع وشيق، ومعلومات قيمة يظهر فيها جهد الكاتبة وبحثها عن ادق تفاصيل عملها بحيادية قلما نجدها في كتابنا اليوم.. فهو بحق دراسة تستحق الوقوف عندها والاشادة بها لما ستضيفه للمكتبة وللباحثين من معلومات وحقائق ربما غفل عنها البعض او تغافلها عن قصد.

الكتاب.. سرد كامل وموجز وربط جميل بين الفن والسياسة والتاريخ قديمه وحديثه فضلاً عن تحليلات صائبة دقيقة لشاهدة عيان على مستوى عال من الثقافة نقلت الواقع بكل امانة ومصداقية وحيادية مما اكسب الكتاب قيمة كبيرة وأهمية ليست بالقليلة لاحداث شائكة مرت على العراق

عرض مقالات: