رحل .. فارساً ومثالاً نادراً من أمثلة مناضلي الطبقة العاملة العراقية، واعياً صلباً ومبدئياً، غير هيّابٍ صلافة الجلادين.

رحل عنا قبل أسابيع “حسن خلف فارس” ابن الأسرة العمالية العريقة ذات التاريخ النضالي المشرف؛ صورة من الصور البهية لكفاح الطبقة العاملة العراقية, أسرة كريمة من السادة المكاصيص.

 هكذا عُرفت هذه الأسرة منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي في منطقة الشالجية ببغداد, حيث المجمع السكني لعمال السكك البواسل، الذين خاضوا أقوى الاضرابات والاعتصامات في العهد الملكي البائد؛.

في بيت السادة المكاصيص هؤلاء اختبأ المناضل الشيوعي العريق الشاعر زاهد محمد ـــ أحد قادة إضراب عمال السكك في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي ـــ عن أعين وأيدي شرطة العهد الملكي السرية، الذين اقتحموا الحي وفتشوا بيوته واحدا واحدا بحثا عنه، لكن العلوية أم حسين أخفته عنهم خلف عباءتها وأعمت عيونهم بهيبتها، كما عُميت عيون رجال قريش عن رؤية جدها النبي الأعظم وهم يقتحمون داره. فنجا الزاهد محمد من قبضة الشرطة السرية ببركات السادة الكرام ذوي حسن خلف فارس, حسن الصفات، حسن الشموس التي لهج بها الشاعر الخالد مظفر النواب في ملحمته الرائعة التي تماهى معها فقيدنا الشيوعي العامل حسن خلف فارس  :

يا زين الذي بطرواك

             دلتنا الجبيرة اتكوم للخطار

فكان فارساً في زمن خُنقت فيه الارادات وقيمها، وكان شهماً أشم زمن خفوت الشهامة وشيمها.

وفي زمن الديكتاتورية الصدامية اقتيد مرارا الى منظماتها الحزبية ومديرياتها اللاأمنية وأقبيتها السرية, وتعرض الى صنوف ادواتهم الوحشية، لكنه كان مثل طوله الفارع المميز- متران والمهندسون الاجانب يطلقون عليه the man is two meter - مميزا في الصمود وفي مناورة الجلادين .

عرفتُ “حسن خلف فارس” كادراً عمالياً لا بانتمائه الفكري فقط، بل بإدائه العمل في حرفته؛ أسطة بزَّ سابقيه من الاسطوات فيها. كان غزير العطاء وهّابا , محتضنا كل المغضوب عليهم من المطلوبين للاجهزة القمعية.

تعرفتُ عليه أواخر السبعينيات وتحديدا بعد انهيار الجبهة وبدء حملة القمع والتصفيات السياسية، فتركتُ الوظيفة وبحثتُ عن عمل في السر توفيرا لمستلزمات العيش، فكان خير عون لي بعد معرفته حقيقة وضعي السياسي, وتوطدت علاقتنا بعد أن اطمأن كل منا الى صاحبه. وثقت به ثقة مطلقة في عهد لا يمكن أن يجازف فيه المرء بمثلها لأي كان, فأعطيته مسودة النسخة المخطوطة من روايتي (تحت سماء داكنة ) والتي كتبتها في مخبئي السري عن تلك المرحلة العصيبة، فانجز نسخة منها بخط يده في دفتر ذي صفحات كاربونية من دفاتر الاسطوات، التي يدوّنون فيها معلومات تخص العمل كالاطوال والاشكال، وبذا يكون انجز نسختين ما زلت احتفظ بإحداهما، أما الأخرى فلها حكاية أخرى.

“حسن الشموس” غادرنا أخيرا مشيعاً بكل قيمه العمالية الأبية، وبتاريخه وتاريخ أسرته النضالي المشرف، وليمكث ذكر تلك القيم التي جسّدها وكرسها بسلوكه اليومي في كل تاريخه الطويل؛ فما لان ولا هلع وما هادن ولا خضع ؛ بل ظل وفيا لمبادئ طبقته التي تربى عليها، منذ وجدها راسخة في أسرته من قبل ولادته .

كانت آخر مرة رأيته فيها في ساحة الفردوس ببغداد، في أول عيد للعمال بعد سقوط الديكتاتورية في 2003 بعد انقطاع دام سنوات فرضته ظروف حياة كل منا، والحروب التي أشعلها الطاغية ليحرق بنيرانها العراق والعراقيين.

 رأيته راكزا بقامته في المكان, متأملا, منصتا للهتاف المدوي في الساحة من المحتفلين المحيطين بسكرتير الحزب الشيوعي العراقي السابق حميد مجيد موسى.

ظل حسن الشموس هادئا منصتا وكأنه يستنشق هواء جديدا, راكزا في وقفته كأنه يحل محل الجندي المجهول الذي أجهزت عليه (شفلات ) الطاغية، انتقاما من كل رمز من رموز ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة.

دنوت منه, من شموخه, تصافحنا , تعانقنا, قال من دون أن يغادره هدوؤه: ( أشكرك لثقتك العالية بي, شرفتني بثقتك واطلعتني على روايتك التي كانت صفحة واحدة منها تكفي لأن تؤدي بك وبعائلتك الى الإبادة. أجبته: كنتَ أهلا لمثل هذه الثقة ).

ما كانت الثقة بمثل هؤلاء الرجال تقاس بالحسابات الاعتيادية، بل كانت نسغاً يسري في الأوصال ويهجس بمجسات الوجدان. غمرتنا شمس ذلك اليوم البهية، لكن حسن الشموس؛ حسن خلف فارس؛ كان أسطع منها،  ومثالاً أروع.

وعتبي على أرض تواري الكنوز ولا تتحول ذراتها ندى بالقيم التي تحوز :

ما كنت أحسب  قبل دفنك في الثرى   أن الكواكب في التراب تغور

وكأني اسمع صدى صوت النَوّاب يشيعه بابيات من ملحمته “حسن الشموس” :

هلبت يحسن:

هودج موتك امحنّه...

جبير او شايلاته الحور

هودج موتك ...اتسلم عليه الشمس

وزمور التفك ...والطبكة والكارور

عرض مقالات: