وكالات
كشفت وكالة "رويترز" نقلا عن مصادر متعددة كواليس اجتماعات "حاسمة" أفضت إلى بدء الحكومة السورية عمليتها ضد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) وتخلي واشنطن عن حلف استمر لسنوات طويلة مع "المليشيا" التي خدمتها خلال الحرب السورية ومع التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، في السيطرة على مناطق شاسعة وغنية بالثروات شمال وشرق سورية.
ونقلت الوكالة في تقرير لها عن تسعة مصادر وصفتها بالمطلعة على "اجتماعات عالية المستوى عقدت خلف الأبواب المغلقة" قولها إن سيطرة الحكومة السورية السريعة على الأراضي التي كانت تحت قبضة "قسد، تبلورت في سلسلة من الاجتماعات في دمشق وباريس والعراق في وقت سابق من هذا الشهر.
وقالت المصادر إن الاجتماعات مهدت الطريق أمام الرئيس السوري أحمد الشرع لتحقيق انتصارين كبيرين وهما، المضي قدما في تنفيذ تعهده بتوحيد جميع الأراضي السورية تحت قيادة واحدة، وأن يصبح "الشريك السوري المفضل" للإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب.
وأفضت عملية دمشق إلى استعادة محافظات دير الزور والرقة وأجزاء من الحسكة في شرق وشمال شرق سورية، في ما بدا انتصارا لافتا للشرع بمواجهة المليشيا التي اتهمتها دمشق بعدم الالتزام باتفاق مارس/آذار. وقال مصدر أميركي مطلع على موقف واشنطن من سورية "يبدو أن الشرع خبير استراتيجي بارع".
سورية اقترحت الهجوم قبل أسابيع
وحول الوقائع التي سبقت العملية، قال ثلاثة مسؤولين أكراد الوكالة إن وزير سوري أنهى فجأة اجتماعا في دمشق في الرابع من يناير/كانون الثاني، بين مسؤولين من الحكومة السورية ومن قوات قسد بشأن الاندماج. وفي اليوم التالي، سافر وفد سوري إلى باريس لإجراء محادثات مع إسرائيل بشأن اتفاق أمني بوساطة أميركية. وقال مصدران سوريان مطلعان على الاجتماع في باريس إن المسؤولين السوريين طالبوا المسؤولين الإسرائيليين بالتوقف عن تشجيع الأكراد على تأخير الاندماج. وقال مصدر سوري آخر مطلع على الأمر إن المسؤولين السوريين اقترحوا أثناء وجودهم هناك القيام بعملية محدودة لاستعادة بعض الأراضي التي تسيطر عليها قسد ولم يواجهوا أي اعتراض.
ونقلت "رويترز" عن يحيئيل ليتر سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة قوله "بصفتي كنت حاضرا طوال الاجتماع الثلاثي في باريس، أؤكد أن إسرائيل لم تقرّ قط أي هجوم شنه الجيش السوري على الأكراد السوريين. وأي ادعاء بأننا فعلنا ذلك فهو ادعاء كاذب". وقال مسؤول سوري إن حكومة دمشق تلقت رسالة منفصلة من تركيا مفادها أن واشنطن ستوافق على عملية ضد قسد شريطة حماية المدنيين الأكراد. وقالت المسؤولة السياسية الكردية هدية يوسف للوكالة إن "الاتفاق في باريس أعطى الضوء الأخضر لشن هذه الحرب".
قسد تقول إن واشنطن خانتها
وقال دبلوماسي أميركي ومصدران سوريان أحدهما مطلع على المفاوضات إنه بعد أسبوعين من اندلاع الهجوم، بدأت واشنطن في إرسال إشارات إلى قسد بأنها تسحب دعمها المستمر منذ سنوات. وذكرت المصادر الثلاثة أن السفير الأميركي لدى أنقرة توماس براك التقى في 17 يناير/كانون الثاني بقائد قسد مظلوم عبدي في إقليم كردستان العراق وأبلغه بأن مصالح الولايات المتحدة مع الشرع وليس مع المليشيا. ونفى مسؤول في "قسد" هذه الرواية. وذكر مسؤول عسكري أميركي ومسؤولان كرديان أن الولايات المتحدة أعطت "قسد" ضمانات بالحماية إذا أضرت عملية دمشق بالمدنيين الأكراد أو زعزعت استقرار مراكز احتجاز تضم معتقلين من تنظيم "داعش".
وفي كواليس العملية، ذكرت الوكالة أنه مع تقدم القوات السورية إلى ما بعد المنطقة التي اقترحت في الأصل السيطرة عليها، حثهم الجيش الأميركي على وقف تقدمهم وأطلقت طائرات التحالف قنابل ضوئية تحذيرية فوق بعض مناطق الاشتباك. لكن تلك الإجراءات كانت أقل بكثير من التوقعات الكردية. وقالت هدية يوسف "ما تقوم به قوات التحالف والمسؤولون الأميركيون غير مقبول... هل أنتم حقا تفتقرون إلى المبادئ؟ هل أنتم مستعدون لخيانة حلفائكم إلى هذا الحد؟".
الشرع كاد أن يبالغ في تقدير قوته
وعلى عكس التوقعات، سارت عملية دمشق التي بدأت من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب وتوسعت لاحقا إلى دير حافر التابعة للمحافظة نفسها، بسرعة ودون مواجهة قوية من قسد، ثم انتقلت لاحقا لتشمل محافظتي دير الزور والرقة مع دخول مقاتلي العشائر العربية على خط القتال وحسمهم استعادة المدينتين في مدة قصيرة. وقال المصدر الأميركي المطلع على موقف واشنطن ومصدران أميركيان آخران مطلعان على سياستها إن الشرع كاد يبالغ في تقدير قوته خلال المرحلة الأخيرة من الهجوم. وبحلول 19 يناير/كانون الثاني، كانت القوات السورية تطوق آخر المدن التي يسيطر عليها الأكراد في شمال شرق سورية، على الرغم من وقف إطلاق النار الذي أُعلن عنه في اليوم السابق.
وقالت المصادر الأميركية الثلاثة إن الإدارة الأميركية كانت غاضبة من تجاهل القوات السورية للهدنة وخشيت من وقوع أعمال عنف جماعية ضد المدنيين الأكراد. وقال اثنان من المصادر إن المشرعين الأميركيين درسوا إعادة فرض عقوبات على سورية إذا استمر القتال.
وذكر مسؤول في البيت الأبيض لـ"رويترز" أن الولايات المتحدة راقبت التطورات في سورية "بقلق بالغ" وحثت جميع الأطراف على "إعطاء الأولوية لحماية المدنيين من جميع الأقليات". ومع اقتراب القوات السورية من آخر معاقل الأكراد، أعلن الشرع فجأة وقفا جديدا لإطلاق النار يوم الثلاثاء، وقال إن قواته لن تتقدم إذا اقترحت قسد خطة اندماج بحلول نهاية الأسبوع. وقالت المصادر الأميركية الثلاثة إن إعلان الشرع المفاجئ أرضى واشنطن وأنه بات الآن "في مأمن". وبعد دقائق، أصدر براك بيانه وقال إن الغرض الأساسي من قسد كقوة قتالية ضد "داعش"، "انتهى إلى حد كبير"، وإن الفرصة الأكبر للأكراد تكمن في ظل حكومة الشرع الجديدة.