في ظل التحديات اليومية التي تواجه المرأة، تبرز مشكلة غياب رياض الأطفال داخل مؤسسات العمل، كواحدة من أبرز الأعباء التي تثقل كاهل النساء العاملات في البلاد، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص.
فمع إهمال المؤسسات لهذا الأمر الحيوي، تضطر آلاف النساء إلى اللجوء لرياض الأطفال الأهلية، التي تفرض رسوما شهرية مرتفعة، تستنزف جزءاً كبيراً من دخلهن، في وقت تعاني فيه رياض الأطفال الحكومية من الإهمال وضعف الإمكانيات.
خيارات محدودة
تقول المواطنة رغد علي، وهي موظفة في شركة أهلية، لـ "طريق الشعب"، "بسبب غياب الحضانات في أماكن العمل، لا يوجد خيار أمام النساء العاملات غير الحضانات الأهلية لرعاية أطفالهن خلال ساعات العمل خارج المنزل، لأن أغلب المؤسسات لا تكترث بتوفير حضانات أو رياض أطفال ضمن مؤسساتها، على الرغم من الإقرار القانوني بذلك". وتنبه المواطنة إلى أنها تدفع شهريا من أجرها البالغ 700 ألف دينار مبلغاً وقدره 300 ألف دينار إلى صاحبة حضانة الأطفال!
هذا الواقع لا يقتصر على حالات فردية، بل يشمل شريحة واسعة من النساء، اللواتي يجدن أنفسهن أمام معادلة صعبة: إما العمل وتحمل تكاليف مرتفعة، أو البقاء في المنزل وخسارة مصدر الدخل.
القطاع الحكومي معاناة من نوع آخر
وفي المؤسسات الحكومية، لا يبدو الوضع أفضل حالا، رغم وجود رياض أطفال حكومية من حيث المبدأ. توضح المواطنة سناء أحمد، وهي موظفة في إحدى الدوائر الحكومية، لـ "طريق الشعب" فتقول "في مكان عملي تتوفر روضة حكومية، لكن وضعها سيئ جدا، وكادر العمل فيها شكلي وغير مؤهل لتحمل مسؤولية طفل، فضلا عن بؤس البنى التحتية للروضة، لذلك يصعب ترك طفلتي هناك وأنا مطمئنة". وتضيف "أجبرت على تسجيل ابنتي في روضة أهلية، رغم أن راتبي محدود، لكن على الأقل أعرف أنها في مكان آمن". هذا التباين بين وجود خدمات حكومية شكلية وضعف جودتها، يدفع النساء مجددا نحو القطاع الخاص، رغم كلفته العالية.
إهمال وقلة كوادر في الرياض الحكومية
تعاني العديد من رياض الأطفال الحكومية من نقص حاد في الكوادر التربوية، وغياب الصيانة، وضعف التجهيزات، ما يجعلها غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الأطفال أو تقديم رعاية مناسبة لهم. تقول المواطنة هبة كاظم، وهي معلمة سابقة، لـ "طريق الشعب" "إن المشكلة ليست فقط بعدد الأطفال، وإنما بعدم توفر بيئة مناسبة للتعلم والرعاية. الصفوف مكتظة، والإمكانيات محدودة جدا، كما أن رياض الأطفال الحكومية تعاني الإهمال وقلة الكوادر العاملة". وتضيف "إن هناك حالات تعرض فيها أطفال لإصابات وأمراض نتيجة الإهمال في بعض الحضانات، ما ينعكس بشكل مباشر على قرارات الأمهات العاملات، اللواتي يفضلن دفع تكاليف إضافية مقابل ضمان بيئة أفضل لأطفالهن".
تأثيرات اقتصادية واجتماعية متراكمة
إن غياب رياض الأطفال في مؤسسات العمل لا ينعكس فقط على الجانب الاقتصادي، بل يمتد ليؤثر على الاستقرار النفسي والاجتماعي للنساء العاملات. هذا الواقع يدفع بعض النساء إلى تقليل ساعات عملهن أو الانسحاب من سوق العمل، ما يعني خسارة مزدوجة لهن وللمجتمع.
الحاجة إلى حلول مؤسسية حقيقية
بدورها تؤكد الناشطة زينب الموسوي، لـ"طريق الشعب" على أن "معالجة هذه المشكلة تتطلب تدخلاً حكومياً جاداً، من خلال إلزام المؤسسات بتوفير رياض أطفال داخل أماكن العمل، وتحسين واقع الرياض الحكومية عبر زيادة التمويل وتوفير الكوادر المؤهلة. كما تشدد الموسوي على أن دعم الأم العاملة لا يجب أن يبقى شعارا، بل ينبغي أن يتحول إلى سياسات ملموسة تضمن التوازن بين العمل والأسرة.
بين الواقع والطموح
وأخيرا، في ظل هذه التحديات، تستمر النساء العاملات في العراق في مواجهة أعباء إضافية، عسى أن يحافظن على استقرارهن المهني والأسري. وبين غياب الدعم المؤسسي وارتفاع التكاليف، يبقى ملف رياض الأطفال أحد أبرز التحديات التي تتطلب حلولا عاجلة، تضمن للمرأة العاملة بيئة أكثر عدالة واستقرارا.