اخر الاخبار

في الدول التي تحترم نفسها، يكون الدستور سقفاً لا يُخترق، ومظلّةً يستظلّ بها الجميع.

 أمّا حين يتحوّل (الهاتف) إلى سلطةٍ أعلى من النصّ، فاعلم أن ميزان العدالة بدأ يميل، وأن قواعد اللعبة لم تعد تُكتَب في الجريدة الرسمية، بل في دفاتر المصالح الضيّقة.

الواسطة ليست مجرد تصرّف فردي عابر، إنها منظومة موازية تُعيد ترتيب الأولويات وفق القرب لا الكفاءة، ووفق الولاء لا الاستحقاق.

 تبدأ بخطوة صغيرة، وظيفة تُمنح خارج معايير التنافس، مقعدٌ دراسي يُقتطع من حقّ متفوّق، عقدٌ عام يُحال إلى دائرة الأصدقاء.

 لكنها لا تقف عند هذا الحد، إذ سرعان ما تتضخّم لتصبح ثقافةً يومية، يعتادها الناس حتى تغدو (الطريق الطبيعي) لإنجاز المعاملات.

الخطر الحقيقي لا يكمن في المنفعة الآنية التي يجنيها فردٌ أو مجموعة، بل في الأثر التراكمي الذي يصيب روح المجتمع. حين يرى الشابّ أن جهده لا يساوي رقم هاتف نافذ، تتآكل ثقته بفكرة العدالة. وحين تلاحظ الأسرة أن القانون لا يحمي أبناءها بالقدر نفسه الذي يحمي به أصحاب العلاقات، يبدأ الشكّ بالتسلّل إلى مفهوم المواطنة ذاته.

عندها تتحوّل الدولة من عقدٍ اجتماعي إلى شبكة مصالح، ويتحوّل المواطن من شريكٍ في الوطن إلى متفرّجٍ على اقتسامه.

إن صناعة الأجيال لا تتمّ في المدارس وحدها، بل في الإشارات غير المعلنة التي تبثّها الحياة العامة. فإذا كانت الرسالة الضمنية تقول (اعرف مَن تعرف، لا ماذا تعرف)، فإننا نُربّي أبناءنا على مهارة الالتفاف لا مهارة الإبداع.

 وحين يُكافأ الوسيط أكثر من المجتهد، يصبح التفوّق استثناءً لا قاعدة، وتغدو الأخلاق عبئاً لا رصيداً.

غير أن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالشعارات الغاضبة وحدها، بل بإعادة الاعتبار لمبدأ سيادة القانون، وببناء مؤسساتٍ شفافة، وبترسيخ ثقافة المساءلة.

 فالدستور ليس ورقاً مؤطراً على الجدار، بل عقداً حيّاً يحتاج إلى حراسةٍ يومية من المواطنين قبل المسؤولين.

والعدالة ليست خطابا احتفالياً، بل ممارسة تُقاس بتكافؤ الفرص، وبقدرة الضعيف على أن يأخذ حقّه دون أن يستنجد بأحد.

حين يعود القانون إلى مكانه الطبيعي، تنحسر الحاجة إلى الواسطة تلقائيًا.

 وعندما يشعر الفرد أن حقّه مضمون بنصٍّ نافذ لا باسمٍ نافذ، يبدأ المجتمع باستعادة ثقته بنفسه.

هناك فقط يمكن أن نقول إننا لا نصنع معاملاتٍ ناجحة فحسب، بل نصنع أجيالًا تؤمن أن العدالة ليست اسماً في كتاب، بل واقعاً يُعاش.