إرم نيوز
حملت زيارة وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، إلى طهران ملامح المحاولة الدبلوماسية الأخيرة لنزع فتيل مواجهة عسكرية كبرى عابرة لغربي آسيا، بعد أن وضعت إسلام آباد القيادة الإيرانية أمام خيارات استراتيجية حاسمة وموقوتة لإنقاذ مسودة مذكرة التفاهم الإقليمية النهائية.
وعقب مغادرة المبعوث الباكستاني العاصمة الإيرانية في ختام محادثات مغلقة، أفادت دوائر دبلوماسية متطابقة بأن الرسالة العاجلة التي أُودعت بين يدي المرشد الإيراني الأعلى، مجتبى خامنئي، وصاغها شخصياً قائد الجيش الباكستاني، الفريق أول عاصم منير، كانت بمثابة إخطار سياسي أخير لرأب الصدع في المفاوضات التي شارفت على الانهيار الكامل نتيجة التصلب غير المسبوق في شروط التهدئة وبنية الترتيبات الأمنية الجاري هندستها بين واشنطن وطهران.
وتقاطعت تقارير استخبارية غربية مسربة، صدرت عقب اختتام الزيارة، كاشفة عن المضمون الدقيق و الديناميكيات الحرجة التي تضمنتها الرسالة الباكستانية، مؤكدة أن نقوي وضع القيادة الإيرانية أمام خيارات استراتيجية نهائية لا تقبل المماطلة.
وتوضح تلك التقارير، بحسب مصادر دبلوماسية غربية، أن الجانب الباكستاني نقل صياغة تفصيلية معدلة تمت هندستها بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية لعلاج "العقدة المالية" الكبرى، والتي تمثلت في صيغة الإفراج المشروط والمنظم عن نحو 24 مليار دولار من الأرصدة الإيرانية المجمدة في الخارج.
وهذه الأموال، التي يرهن مستشارو المرشد توقيع الاتفاق بها، قدمت بشأنها الرسالة الباكستانية آلية إفراج تدريجية مرتبطة بجدول زمني، يفرض في المقابل التزامات إيرانية تضمن التفتيش والرقابة الاستثنائية على المنشآت النووية، إلى جانب كف يد الحرس الثوري عن فرض أي قيود على حركة الملاحة والتجارة الدولية في مضيق هرمز ومحيطه.
وبحسب التحليلات والاستنتاجات التي أوردتها الدوائر الاستخبارية الغربية فور اختتام المحادثات، فإن الرسالة الباكستانية تضمنت تحذيراً مبطناً وعميقاً من مغبة رفض هذه الصيغة التوفيقية، معتبرة إياها الممر الآمن الوحيد لتجنب العودة إلى مربع المواجهة العسكرية المفتوحة.
وترى المصادر الغربية، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن هذا التحذير ينبع من القراءة الواقعية التي يحملها الوسيط الباكستاني لطبيعة التغير في الموقف الأمريكي، حيث رفعت واشنطن سقف شروطها مستندة إلى نتائج جولات التصعيد العسكري التي شهدتها المنطقة في فبراير الماضي، والتي غيّرت من قواعد الاشتباك قبل إرساء الهدنة المؤقتة في أبريل.
وفي المقابل، تؤكد التقارير الاستخبارية أن كواليس النقاشات المسربة تظهر استمرار تحفظ الجناح المحافظ المحيط بالمرشد، وهو ما تقاطع مع التصريحات العلنية التي صدرت بالتزامن عن مستشار المرشد للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، والتي انتقد فيها ما وصفه بالتعلق بالوعود الدبلوماسية الغربية الخالية من الضمانات الحقيقية؛ غير أن الرسالة الباكستانية نجحت في تبيان أن الفشل في التوقيع على المسودة الراهنة سيعني نهاية العمل الدبلوماسي تماماً، وحلول لغة العقوبات الاقتصادية القصوى والحصار البحري التام للموانئ كبديل حتمي.
وفي السياق ذاته، قالت المصادر الغربية إن الملفات الإقليمية المتفجرة لم تغب عن طيات الرسالة الباكستانية، إذ كشفت التقارير الاستخبارية الغربية أن المبعوث نقوي شدد على ضرورة فصل مسارات التفاوض الكبرى بين واشنطن وطهران عن التعقيدات الميدانية في غلاف وجنوب لبنان.
كما حثت الرسالة القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات تضمن عدم استخدام الجبهة اللبنانية لتعطيل التسوية الشاملة، لاسيما في ظل الاستقطاب الحاد والخلافات المتصاعدة بين بيروت وطهران حول مستقبل الترتيبات الأمنية؛ حيث تسعى إسلام آباد إلى تمرير خطة تضمن تعزيز سيادة الدولة اللبنانية ونشر الجيش اللبناني كقوة شرعية وحيدة جنوب نهر الليطاني، معتبرة أن هذا المسار سيمهد تلقائياً لتثبيت الأمن الإقليمي العام بمجرد دخول مذكرة التفاهم حيز التنفيذ.
ومع مغادرة الوفد الباكستاني عائداً إلى إسلام آباد، باتت الكرة الآن بالكامل في ملعب مكتب المرشد الإيراني ومجلس الأمن القومي، بانتظار صدور الجواب النهائي على المبادرة الباكستانية.
ومن المتوقع أن تحدد نتائج هذه الزيارة الخاطفة ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط؛ فإما أن ترضخ الأطراف لحلول التسوية وتوقيع مذكرة التفاهم لإنقاذ الاقتصاد الإيراني وفتح مسارات التهدئة، أو أن تذهب المنطقة نحو جولة جديدة من المواجهة الشاملة والمدمرة التي ستلقي بظلالها القاتمة على أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية.