نسمع بين الحين والآخر، من غير المختصين تارة، ومن مواقع القرار تارة أخرى، كلاماً يثير العجب ويُردَّد كبديهية محفوظة: على العراق أن يغادر العقلية الاشتراكية في إدارة اقتصاده!
وقد عبّر رئيس مجلس الوزراء السيد علي الزيدي عن المعنى نفسه حين دعا إلى "اقتصاد يدير الدولة لا دولة تدير الاقتصاد"، وإلى أن "ينحصر دور الدولة في التنظيم والرقابة ودعم القطاع الخاص الذي عليه أن ينهض بالاقتصاد"، خاتما كلامه بالقول: "لن نبقى بالعقلية الاشتراكية".
ولأن الحديث عن الوجهة الاقتصادية التي يراد دفع العراق اليها، لا يستقيم قبل السؤال عن المنطلق، نسأل هنا: من أين يفترض أننا قادمون حتى تُحدّد لنا وجهتنا المقبلة؟ وأية اشتراكية هذه التي يُطلب من العراقيين أن يغادروها؟
إنها لمفارقة أن تُلقى مسؤولية الخراب السائد على اشتراكية لم تُطبق يوماً في العراق، فيما يُعفى مهندسو السياسة الاقتصادية الفاشلة، وعرابو الفساد وهدر المال العام من المساءلة!
ولكي نجيب على الأسئلة اعلاه، نبدأ من المفهوم:
فالاشتراكية لا تعني الحضور المطلق للدولة في الاقتصاد، ولا كثرة الموظفين على ملاكها، ولا ضخامة حجم الإنفاق العام. إنما هي نمط إنتاج محدد بملكية اجتماعية لوسائل الإنتاج، وبتخطيط يستهدف تلبية حاجات الناس وليس مراكمة الربح، وبتجاوز كل علاقات الاستغلال بين من يمتلك الثروة ومن لا يملك سوى قوة عمله.
فحجم حضور الدولة وحده ليس مقياسا لطبيعة الاقتصاد. وقد عرفت الرأسمالية دولا ضخمة سميت بـ "دول الرعاية الاجتماعية" او "دول الرفاه الاجتماعي" من دون أن يجعلها ذلك دولا اشتراكية.
فبأي معيار يسمى اقتصادنا الذي يحكمه السوق المنفلت، ويتفاوت فيه توزيع الثروة بشكل لافت (حيث تحتكرها اقلية حاكمة، بينما ملايين الكادحين يعانون في قطاع غير منظم بلا عقود ولا ضمانات اجتماعية ولا تقاعد) اقتصاداً اشتراكياً؟
انه اقتصاد يمكن ان نطلق عليه أيّ صفة، عدا كونه اشتراكياً!
وتكمن مشكلة الاقتصاد العراقي في طابعه الريعي. فالدولة تستحوذ على ريع النفط الذي يفوق ٩٠ في المائة من إيراداتها العامة، ثم تعيد توزيعه على شكل رواتب وعقود ومشاريع خدمية وبنى تحتية. حتى غدا التضخم الوظيفي في مؤسسات الدولة، الشكل الاساسي لتوزيع عائد الريع في ظل غياب اقتصاد منتج يخلق فرص عمل. وقد استخدمت الحكومات المتعاقبة سياسة التوظيف الزبائني في الهيكل الحكومي سبيلا لشراء شرعيتها وتعزيز نفوذها.
بهذا المعنى لم يدخل العراق "عهد الاشتراكية" أصلا منذ تأسيسه. فحتى الاقتصاد الذي أداره النظام السابق لم يكن اشتراكيا. صحيح أن الدولة امتلكت يومها معظم وسائل الإنتاج، وأدارت اقتصادا مركزياً موجهاً بالتخطيط، غير أن الملكية الحكومية شيء والملكية الاجتماعية شيء آخر. كما ان التخطيط كان وقتها بيروقراطيا مفروضا من فوق، ليخدم الفئة الحاكمة وحروبها وتراكمها الرأسمالي. لذلك نعده شكلا من أشكال رأسمالية الدولة، وليس اقتصادا اشتراكيا!
أما النظام الاقتصادي الذي تكرّس بعد العام ٢٠٠٣، فقد بُني على قالب نيوليبرالي صريح وسافر. حيث جرى على مدى يتجاوز ٢٠ عاماً، تدمير ما تبقى من قطاع عام منتج، واطفاء آخر جذوة في قطاعي الصناعة والزراعة، كما بيعت املاك الدولة بأثمان بخسة.
وهذا ما كرسته الحكومات المتعاقبة: اقتصاد سوق منفلت، تابع للسوق العالمي، ومطعّم بالمحاصصة والفساد!
فإن كانت ثمة "عقلية" يتوجب ان نغادرها، فهي العقلية السائدة لدى الطبقة الحاكمة، التي قادتنا إلى هذا النمط من الاقتصاد الخرب!
ثم أيّ "قطاع خاص" هذا، الذي يراد له أن ينهض باقتصادنا؟ القطاع الخاص العراقي هو في الغالب الأعم وحتى الآن، لا تُكوّنه قوى إنتاجية، صناعية كانت او زراعية. انه اما رأسمال تجاري يعتمد على الاستيراد، او مقاولون يتغذّون من عقود الدولة، أو مضاربون بالدولار يعتاشون على نافذة بيع العملة في البنك المركزي، وأذرع اقتصادية في الوزارات تابعة للقوى السياسية المتنفذة.
بهذا القطاع الخاص لا يمكن تحقيق نهوض اقتصادي، بقدر ما يتم تسريع انتقال المال العام والأصول العامة إلى هذه الفئات الطفيلية، المرتبطة بمنظومة المحاصصة المتنفذة، عبر الترويج لخصخصة المؤسسات والشركات ذات الجدوى الاقتصادية المملوكة للدولة، بدلاً من إعادة تأهيلها وإصلاح إدارتها.
لسنا، نحن الشيوعيين العراقيين، ممن يعادون كل قطاع خاص، ولا ممن يطالبون بدولة تبتلع كل شيء. إننا نميز بوضوح بين رأسمال وطني منتج يخلق القيمة ويوظف العراقيين – مثل هذا القطاع الخاص الوطني المنتج، نسانده ونطالب بحمايته وتشجيعه وتوفير شروط نموه - وبين رأسمال طفيلي تابع للرأسمال الأجنبي، يعتاش على الريع والعقود الحكومية والاستيراد المنفلت!
وما ندعو إليه هو دولة ذات دور تنموي وليس مجرد دور "رقابي".
دولة تقوم ببناء القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني وتعيد تأهيل الصناعة والزراعة، وتعمل على تنويع مصادر الدخل، من خلال توظيف ايرادات النفط في الاستثمار المنتج، وفي تأمين حياة لائقة للعراقيين عبر تحسين تعليمهم وصحتهم ومأواهم وكهربائهم حتى!
دولة تفرض نظاما ضريبيا عادلا، يطال الثروات الكبيرة ولا يثقل كاهل الفئات المتوسطة الدخل والفقيرة.. دولة تحمي حقوق العمل لملايين العاملين في القطاع الخاص، وتشمل الفئات المهمشة بالحماية الاجتماعية، وتصون الملكية العامة باعتبارها ملكا للاجيال لا غنيمة للصوص المحاصصة والفساد.
وللتذكير نقول: لا وجود لاقتصاد رأسمالي بلا دولة تحرس الثروات العامة والخاصة، وتدير السياسة المالية وتنقذ القطاع الخاص حين يتعثر! فعندما انهارت أسواق"وول ستريت" عام 2008، وحين تفشت جائحة كورونا واغلقت الاسواق، تدخلت الدولة في الانظمة الرأسمالية - وطبعا لصالح رأس المال؛ وفرضت القيود لتنظيم السوق والاقتصاد.
فهل يملك العراق اليوم مؤسسات كفؤة ومستقلة وقادرة على التدخل لحماية الاقتصاد، حينما تشتد ازمة الاقتصاد الريعي، ونحن نعيش اليوم تداعياتها بفعل الحرب في المنطقة؟
إن معركة الإصلاح الاقتصادي الحقيقية عندنا اليوم ليست ضد "اشتراكية" موهومة.. انها ضد المحاصصة والفساد اللذين يستنزفان موارد البلد، ويعطلان كل مشروع للنهوض. والمطلوب اليوم، اقتصاد وطني منتج، قائم على العدالة الاجتماعية، وأساسه التنمية المستدامة وتوفير العيش الكريم للعراقيين.