هي ليست المرة الأولى التي أكتب فيها عن تجربة شاعر شاب امتد وعيه الى عمق الثقافة والاصول واغنى الساحة الشعرية بتجربته الشابة وبمفاهيم ذات قيمة فنية وإنسانية ومعرفية عالية وهو عاكف حاليا  على اصدار ديوانه الشعري الذي اطلعت على قصائده قبل ظهورها .

ان مجموعته الشعرية “ضوه الباجر”  ومن خلال هذه  التسمية اجد انه يبحث عن المفقود وبطريقته التي اجد فيها بعدا واهمية وانسانية وحجما لايستهان بها من الخسارة التي  المتّ به وبغيره من أبناء لحمته وحصد احداثها بحرية وامتياز لانه كان حريصا على تجربته بتضمينها بعطاءه المعلن في اصداره الذي يروم اظهاره الى العلن ليطلع عليه المتلقون كواحد من تجارب الشباب الواعدين وربما المتاًثرين بالتجارب التي سبقتهم..

والشاعر مصطفى عاهد صاحب هذا المخطوط الذي اطلعت عليه و إفصحت  قصائده عن  تجلياته معلنة أهميتها وجمالياتها نائية بنفسها عن قدرته في التكوين الشعري مساير االركب الإبداعي والحضاري والإنساني بعيدا عن الرغبات والحيثيات الاخرى التي تشغل البعض من أبناء جيله من الشعراء الشباب لغرض الشهرة وإلارتزاق. متوسما بمعانقة الشعراء الإصلاء الملتزمين والمتميزين السائرين في نهج الحداثة والتطلع .هذا مالمسته  وبعد اطلاعي على هذه المجموعة الشعرية المخطوطة المهياًة للطبع وعن وجه قصائده  المتناغمه مع لغة الشاعر الكبير،علي الشباني، المعروف باهميته الشعرية لدى الجميع .

وان كان هذا  التطلع والتوجه المشروع لا يلغي بلوغه ومحتواه وامله الشعري من حيث تأثره اللغوي  ولكون المفردة الشعرية المشحونة بدلالاتها، هي ليست حكرا  لاحدا ، بل  حاضرة للاستخدام،  ولمن يستطع الصنعة من تلك الادوات للصناعة والتركيب  التي تؤشر قدرة في  بناء إلصورة الشعرية من تلك المفردات ومن الحس التعبيري لها تلمستها واضحة في فحوى قصائده التعبيرية والحسّية التي تشكل بعدا دلالياّ مهما ورومانسيا جميلا حاضرا اومستقبلا اوعندما يتعامل بها او يتغنى بايقاعات اصحابها مثلا متنورا بفكر الشاعران ،علي الشباني وعزيز السماوي  وغيرهما من الشعراء ذا الابداع المتميز والمختلف . لا ضير في ذلك طالما استطاع الخروج من تدويناتهم الابداعية بتوجه جاد وجعل من صناعته الشعرية مغايرّة لهما. وماعلينا الاً ان نصغي  له ونفتش عن الدهشة فيها. ونتابعه وهذا يحسب لصالحه وللقصيدة الشعبية معا وباستحقاق كونه سائرا في النهج الصحيح . وهو في مقتبل عمره الشعري الذي يشير إلى اكثر من هذا. وّان احتوتنا هذه التجارب المهمة جميعا في وقت ما، وقت مابعد النوابية  من حيث  بداية مشوار  كتاباتنا الشعرية الاولى التي حفزتنا على القبول والكتابة لأهميتها وجمالياتها الى ان وجدنا سبلنا واسلوبنا فيما بعد. وبمساعدتهم كان ذلك من خلال الحوارات المستمرة التي كانت تجرى وتدار فيما بيننا لغرض الإصلاح الشعري والتوجه الحقيقي الصحيح لمستقبل القصيدة الشعبية الواعد. وقد استفدنا منهما كثيرا . والشاعر الديواني العراقي الاصيل الشاب كما ارى كاد أن يكون نموذجا يستحق الاشادة والالتفات كونه امتداد لاعجابه بالتجارب السابقة ويحترم الاجيال الذين سبقوه من اصحاب التجارب المهمة حقا. والشاعر المتحدث عنه مصطفى عاهد، هو من مدينة الديوانية لتي انجبت أهم الأسماء الشعرية والأدبية المعروفة في وسطنا الشعري الشعبي بالإضافة إلى ابا صمد، علي الشباني ،المنبع الأول لقصائده التي اطلع عليها مبكرا صاغيا ومتفهما .انه الشاعر الذي يمتلك وعيا ثقافيا ومعرفيا اّهله ان يكون بهذا  الحضور الجميل واًن كان مقلا في كتاباته بين اقرانه  في مشروعه الادبي الاّ انه كان مستحقا.

ان شعوره بالإنسان الأهم وهي من خياراته الاولى ماهي إلا نموذجا و دليلا على وعيّه وإنتماءه وتطلعه واخلاصه وللأهمية التي يسعى بها للوصول إلى المتلقي الذي يهمه لكونه المؤشر الحقيقي لتقييمهه. ان سر بقاء قصائده هي معايشتها ومعاصرتها وبعدها مما حداها ان تكون حاضرة كما اعتقد لزمن اخر. . وهي الحاله التي جعلتني أكتب عنها . لانه يرى الأشياء بمنظوره الاصلح  . وما هذا الاستبيان الشعري إلا دليلا على وعيه ومنهجه المعرفي والثقافي :

أغني اترابي من يومي لحّد يومك..،

صوتك خضرّ براسي لصيف عيون،،

ان هذه التوجهّ الواقعي فرض عليه ان يكتب اغلب قصائده بهذا المنحى ومع انحناءه التقريبي ألى توجه جديد وهذا معناه ان  القصيدة تفرض عليه ان يكتبها  بهذه  اللغة. وهذا السر الذي يفلت به الشاعر من التأثر حتما ويخلص من حالة الوقوف الشعري عند البعض من شعراءنا المعروفين. ان اللغة هي  الأداة التي يتحرك بها الشاعر ويصنع منها ما يشاء حسب  اجتهاده وقدرته ورؤياه أكيدا:

ياريت الدمع من ماي جاروّه ملامحنه..!

ان الشاعر ينظر إلى نفسه جليا مبتعدا عن إلشهرة و الترفع وانا أشد من أزره على هذا التوجه  لو حافظ على هذا السلوك المتزن وخروجه من مرحلة المراهقة الشعرية. كونه منتبها لها جيدا لكان اكثر حضورا واستماعا:

والوهواس كاس ايلطّخ ارسومج !

و كلش غربه للجوعان شمسينّك!

ان انصياع الشاعر للمتطلبات كان واقعا لابد منه ان ينصاع اليه  ويهتم به لانه في الحقيقه هو المشروع العام الذي يريد ان يبحر به ويهتم به وهذا ماشاهدته في قصيدته، النبي،  المغايرة للشاعر شاكر السماوي واستخداماتها شعريا الاّ تأكيدا على ذلك من حيث البعد الدلالي المطلوب وهو كحال غيره  من الفاعلين في كتابة الشعر وتوجهه وهذا دليلا على ذلك..،

وا ترابك صيام الريح..،

المّن خانك اسنينك خيال ابيض..!؟

عرض مقالات: