يحذر خبراء في مجال حقوق الإنسان والبيئة من مخاطر حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط في محافظة البصرة، حيث أصبحت المحافظة بالمرتبة الأولى من حيث التلوث البيئي كما يقولون.

وتهدد انبعاثات الغاز المحترق حياة الإنسان بشكل مباشر، حيث تتسبب بالأمراض الرئوية والجلدية والسرطانية، فضلا عن تدمير المناخ والتسبب بالاحتباس الحراري والتغير المناخي.

البصرة ضحية التلوث والمجاملات

يقول فلاح الأميري، مدير معهد نيسان المختص بالبيئة، إن “الآثار التي تترتب على الملوثات النفطية مثل الغاز المصاحب للاستخراج أو عن طريق شعلات النفط، كبيرة جدا. وأن هناك أنواعا عدة من الملوثات جرّاء استخراج النفط، منها الغاز المصاحب، ومنها ما يحدث عند تكرير النفط، وأخرى من طاردات الغاز المركزية. كذلك المشاعل الموقدة التي تحرق الغازات وهي مميتة بحال عدم حرقها، فضلا عن العوادم الكربونية”.

ويبين الأميري لـ”طريق الشعب”، انه “بناءً على المخاطر التي تواجه البصرة بهذا الشأن، ستكون هناك جلسة موسعة في الثاني من الشهر المقبل، تعقد مع المحافظة وتحضرها منظمات غير حكومية وأخرى دولية. سنستعرض الدراسات التي قمنا بأعدادها في المعهد حول هذه الملوثات وآثارها على الإنسان والحيوان والزراعة، ونطرح حلولنا لهذه المعضلة”، مبينا أنه “في حال لم تكن هناك استجابة من الجهات المعنية وإنفاذ قانون 27 لسنة 2009 الخاص بحماية البيئة، ولم نلمس أي نشاط لردع شركات النفط، فأن الوضع سيزيد خطورة. كذلك لا بد من الإشارة إلى أن تساهل المعنيين في فرض القيود على هذه الشركات بوضع (فلرات) تنقية وغيرها من إجراءات لحماية البيئة، ساهم بتفاقم الوضع”.

وأشار الأميري إلى أن هناك “اتفاقيات دولية وقع عليها العراق منها مع وكالة الطاقة الدولية ومع مجلس حماية البيئة العالمي واتفاقية باريس لتغير المناخ، واتفاقية الأمم المتحدة بشأن التغير المناخي والاتفاقية العربية، لكن العراق غير ملتزم بتطبيق بنود هذا الاتفاقيات. وهنالك تقارير دولية تشير إلى إن البصرة في المراتب الأولى في المدن التي تسبب خللا في التغير المناخي”.

وأوضح الخبير في مجال حقوق الإنسان فاضل الغراوي، أن حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط يُعد العامل الرئيسي لتلوث المناخ، ويشكل خطرا محدقا على حياة المواطنين وصحتهم ويسبب الإصابة بالربو وأمراض الرئة والجلد والسرطان.

الغراوي قال في بيان طالعته “طريق الشعب”، أن “بيانات البنك الدولي تشير الى ان العراق يحرق ما يزيد على 17 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، ليحتل المرتبة الثانية بعد روسيا. وتعادل انبعاثات مكافئ ثاني أكسيد الكربون الناجمة نحو 10 في المائة من إجمالي الانبعاثات العالمية”.

وبين أن “البصرة وحدها تحرق غازا أكثر من السعودية والصين والهند وكندا، لأنها موطن حقل الرميلة النفطي - ثالث أكبر حقل نفط في العالم”، محذرا من أن “البصرة ستكون أعلى محافظة في مجال التلوث البيئي”.

ودعا الحكومة ووزارة النفط إلى “إلزام الشركات النفطية العاملة في جولات التراخيص بالمحافظة على البيئة من خلال منع حرق الغاز المصاحب للنفط والعمل على استثماره وتحويله إلى منتجات غازية للاستعمالات المختلفة، وإلزام الشركات بتقديم تعويضات للمواطنين الذين أصيبوا بالأمراض السرطانية والجلدية والتنفسية وتقديم تعويضات مباشرة إلى محافظة البصرة بسبب هذه الملوثات الخطرة”.

رقم مخيف 

ووفقا لإحصائيات أجرتها المنظمة الالمانية لحقوق الانسان في البصرة، اوضحت ان الملوثات الغازية النفطية، وموجات ابراج الاتصالات المنصوبة فوق المنازل كانت خلف نسب عالية من امراض السرطان في بعض مناطق المحافظة، وصلت الى 80 في المائة، من الحالات المرصودة.

واوضحت الإحصائية، ان هناك 1650 حالة مرضية 80 في المائة منها مشخصة بالسرطان في قضاء المدينة شمال البصرة في 3 اشهر فقط.

خطر كبير على الأرواح

وفي سياق متصل، يقول جاسم حسين، استشاري في نقابة المهندسين الزراعيين، إن “الجميع يشاهد ألسنة الدخان واللهب التي تغزو سماء البصرة من جميع اتجاهاتها، فمن جهة الخط السريع على الجانبين هناك الرميلة الشمالية والجنوبية، ومن جهة أخرى حقول مجنون وغرب القرنة والفاو”.

ويبين أن هذه الغازات “مؤثرة على صحة الإنسان والبيئة وتزيد من درجات التغير المناخي والاحتباس الحراري”.

ويلفت حسين خلال حديثه لـ “طريق الشعب”، إلى أن “الأمر لا يتوقف على التلوث البيئي الناتج عن استخراج النفط، بل أن الحقول النفطية تجاوزت على الكثير من الأراضي الزراعية بحجة أن الاستغلال النفطي أهم من الزراعي، بينما الحل الأمثل لتقليل الملوثات الغازية يكمن بزيادة المساحات الخضراء”.

ويوضح الاستشاري أن “الوضع في العراق يسير بالعكس، فقد جرفت الأراضي الزراعية بسبب زيادة المساحات النفطية؛ فإذا كان الحقل النفطي بحاجة إلى 10 كم، يقومون بتحويط 100كم، ويستخدمون منها 10 والـ 90 المتبقية تبقى فارغة دون استخدام”، مبينا “أن الحكومة تتحمل مسؤولية ما يجري كونها جهة تنفيذية. وكذلك مجلس النواب الذي من واجباته حماية حقوق ممثليهم”. ويقول حسين أن البصريين “يتكبدون عناء الأضرار وحدهم وأن أعداد أطفال المحافظة المصابين بالسرطان في ارتفاع مستمر”.

وفي المقابل، لا توجد خدمات تتناسب مع حجم الضرر الذي يتعرض له الأهالي، فالمستشفيات متهالكة والبنى التحتية للقطاع الصحي سيئة.

ثروة مهدورة

ويعد الغاز المصاحب “ثروة وطنية مهدورة” وفق توصيفات خبراء معنيين بالشأن الاقتصادي.

ويرى الخبير الاقتصادي فراس زوين، أن “الغاز المصاحب هو ليس الثروة الوطنية الوحيدة المهدورة في العراق، فهنالك العديد من المصادر التي يستطيع من خلالها البلد أن يضاعف دخله ويعدد منافذ موارده لتعزيز خزينته بالأموال”.

وعن أسباب الهدر يؤكد الخبير لـ”طريق الشعب”، أنها تتعلق بـ”سوء الإدارة وغياب الإرادة السياسية. كان من المفترض استغلال الغاز المصاحب بعدة طرق بعيداً عن حرقه ليكون سببا رئيسيا في التلوث، منها كمصدر من مصادر تشغيل الطاقة الكهربائية أو للاستخدامات المنزلية. بمعنى آخر يمكن الاستفادة منه لسد الحاجة داخلياً وخارجياً للتصدير”.

وأوضح انه وعلى مدار السنوات الماضية “تم هدر كميات كبيرة من الغاز المصاحب من خلال حرقه، ومن يتحمل المسؤولية هم القائمون على إدارة الملف الاقتصادي بالبلاد بسبب سوء الإرادة التي رافقت العملية السياسية بعد العام 2003 وكانت السمة الأبرز”.

عرض مقالات: