مقابل تعطيل القطاع الصناعي وتدميره شيئا فشيئا، تفسح الكثير من الإجراءات الروتينية المجال أمام شركات ومصانع ومعامل وهمية للنشاط والتلاعب بالمال العام. وتدّعي بعض الجهات ذات العلاقة، أن أصحاب هذه المصانع والمعامل يحصلون على بعض الإعفاءات الكمركية والضريبية والتسهيلات المالية تشجيعا على الاستثمار، بينما يثبت الواقع أنها وهمية وبوابات للفساد. أما بالنسبة للشركات، فالكثير منها يحصل على إجازات قبل أشهر من تسلمها عقوداً بالمليارات، سرعان ما تُسرق أموالها وتهرب وسط دوامة من الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المقصرين.

تسهيل عمل شركات الفساد

يقول الخبير عماد تويج، أن البلد خسر على مدار السنوات الماضية مئات ملايين الدولارات بسبب الدور الذي مارسته الشركات الوهمية التي حصلت على عقود مع الحكومات المتعاقبة من أجل إنشاء مشاريع عديدة وهمية هي الاخرى

ويوضح تويج خلال حديثه مع “طريق الشعب”، أن “الكثير من المشاريع توقفت أو هرب أصحاب الشركات التي تنفذها بعد سرقة أموال العقود، وهذا يكشف عن ركاكة الشروط والمعايير التي تمنحها هيئة الاستثمار للشركات”، مبينا أن “الكثير من الشركات وهمية، وتتجاهل الجهات المعنية حداثة تأسيسها، بل أن بعضها تتأسس قبل أسابيع أو أشهر قليلة من حصولها على عقود بالمليارات دون أي تساؤلات تطرحها الدولة ولا ضمانات للانجاز”.

ويلفت الخبير إلى أن “هذه الشركات تعود إلى جهات سياسية متنفذة تحميها من الملاحقات وتوفر لها بيئة آمنة للعمل والتوغل داخل الدولة والحصول على عقود بمبالغ هائلة. كما أن هذه الجهات تساعد الشركات الحديثة المشبوهة على تجاوز سلسلة الإجراءات الحكومية من أجل الحصول على إجازة استثمارية قبيل التعاقد مع الحكومة لتنفيذ المشاريع”.

ويشدد على أن “شركات الفساد هذه وبرعاية من مسؤولين ومتنفذين، تقدم أوراقا غير صالحة وتحصل على الإجازات التي تريدها. حتى الآن لا توجد أية توجهات حكومية واضحة للإطاحة بها وفتح هذا الملف وإعادة ما نهب سابقا تحت يافطة العمل الاستثماري الذي لا يجد أصلا بيئة سليمة ولا شروط عمل حقيقية ووطنية”، مبينا أن “هذه الشركات تحصل وبتسهيلات كبيرة على قروض أو سلف تشغيلية قبل أن تبدأ عملها، وهذا يضع في حوزتها مبالغ كبيرة سهلة الاختلاس”.

ما هو دور الجهات الرقابية؟

وبعد أيام من الإعلان عن سرقة 3 تريليونات و700 مليار دينار، من أموال الضرائب، كشفت هيئة المنافذ الحدودية عن ضبط عدد من المصانع الوهمية، قالت إن أصحابها حصلوا على إعفاءات كمركية وضريبية بمبالغ تصل إلى مليارات الدنانير.

وقالت الهيئة في بيان لها: إنها “تمكنت من ضبط معامل ومصانع وهمية سبق أن حصل أصحابها على إعفاءات كمركية وضريبية بشكل مخالف للضوابط”.

وأضافت أنه “تبين أن تلك المصانع وهمية، وهي عبارة عن محال صغيرة لا ترتقي إلى أن تكون معملا أو مصنعا يتطلب منحه إعفاءات من الرسوم”، مؤكدة أن “ذلك يعد عملية احتيال على مؤسسات الدولة المختصة بمنح الإعفاءات، والتي تتحمل المسؤولية الكاملة نتيجة عدم تدقيقها المعامل والمصانع قبل منحها كتب الإعفاء، وكذلك عدم جديتها في متابعة وصول تلك المواد المعفاة إلى الجهات المستفيدة”.

وأشارت الهيئة إلى أن “أصحاب هذه المعامل والمصانع الموجودة في محافظة البصرة قاموا باستخدام المواد التي تم إعفاؤها من الرسوم الجمركية والضريبية لغير الغرض الذي منحت من أجله الإعفاءات وبكميات كبيرة جدا، تصل قيمتها الى مليارات الدنانير، ما سبب هدراً للمال العام”.

الفساد محمي

من جانبه، يؤكد حسين حسن (صاحب معمل الرشيد لإنتاج الأواني المنزلية)، أن “إمكانية احتيال صاحب المعمل على الدولة يمكن أن تحصل قبل 30 عاما أو أكثر، لكن القضية الآن معقدة”، في إشارة منه إلى أن عمليات الاحتيال تلقى تسهيلات من الجهات المعنية.

ويقول حسن لـ”طريق الشعب”، أنه “منذ عام 1976 حصلت على إجازة تأسيس إنتاج للأواني المنزلية، وأعرف الفرق بين السابق والحاضر في هذا الخصوص. حاليا هنالك صعوبة في الحصول على إجازة تأسيس من قبل المديرية العامة للتنمية الصناعية. مع ذلك، فالإجازة فقدت قيمتها المالية. كان أصحاب المعامل يحصلون دوما على إجازات الاستيراد، وكل معمل كان يحصل على مواد مدعومة كالوقود ومشتقاته والقروض والتسهيلات من المصرف الصناعي. جرى إلغاء كل هذا حاليا ودُمرت الصناعة تحت عنوان (اقتصاد السوق) وما شابه ذلك”.

ويبيّن صاحب المعمل أن “الاستيراد أحتل مكان الصناعة الوطنية، وأن المنتجين المحليين يعانون بسبب توقف معاملهم نتيجة هذه البيئة الصناعية الفاسدة، وتفرض عليهم ضرائب للمهنة والدخل وتجديد الهويات سنويا بمبلغ يصل إلى حوالي 200 ألف دينار، وكشف سنوي بنفس المبلغ، فضلا عن الإيجارات واندثار المكائن”، لافتا إلى أن “المعامل الوهمية تحصل على إعفاءات وتسهيلات كبيرة، بينما يعاني أكثر من 32 ألف معمل من التهميش رغم امتلاكها إجازات تأسيس وموافقات أصولية وأن 20 في المائة منها تخسر ولا تنتج بكل قدراتها”، فيما حمّل المسؤولية على عاتق المديرية العامة للتنمية الصناعية واتحاد الصناعات المعنيين بمتابعة هذا الأمر والتنسيق مع كل الجهات التي تمتلك القرار المؤثر والقادر على صناعة الفارق”.

عرض مقالات: