انسحبت الفوضى الاقتصادية التي يعيشها القطاعان العام والخاص على كثير من المهن والقطاعات الحرفية والتي تعتبر مصدرا مهما في انعاش الاقتصاد، واستقطاب أعداد كبيرة من الأيدي العاملة، ومن هذه المهن التي بدأت بالتراجع مهنة النجارة.

وللتعرف إلى معاناة أصحاب وعمّال هذه المهنة التقينا بعدد منهم في مناطق مختلفة من العاصمة بغداد. 

ارتفاع اسعار الخشب والاستيراد العشوائي

كانت محطتنا الاولى في ورشة نجارة ابو سعد في منطقة علاوي الحلة حيث اشار بالقول الى انه: «للاسف تراجعت مهنة النجارة تراجعا كبيرا بعد عام 2003، وذلك بسبب عدم اهتمام الحكومة بالقطاع الخاص بشكل عام ومعامل وورش النجارة بشكل خاص، وبدأ هذا الاهمال مع بدء الاستيراد العشوائي، واصبح الأثاث المستورد يغزو الاسواق المحلية وباسعار لا يمكن منافستها، كذلك عدم اهتمام الحكومة ودعم القطاع الخاص من خلال استيراد المواد الأولية من الأخشاب وبيعها الى اصحاب معامل وورش النجارة بسعر مدعوم، لنتمكن من صناعة الاثاث وبيعه بسعر ينافس اسعار الأثاث المستورد.

وأضاف، ان اصحاب الاموال والتجار يستوردون الاخشاب من الاسواق العالمية، يبيعونها باسعار عالية، ولا توجد رقابة حكومية على ذلك، لهذا لجأنا الى شراء الاخشاب المستعملة واعادة العمل بها، وهذا يتطلب اعمالا اضافية وجهدا كبيرا يضاف الى سعر الاثاث المباع.

وتابع، ان معامل وورش القطاع الخاص تساهم بشكل كبير في زيادة فرص العمل وتشغيل الايدي العاملة، اما عدم الاهتمام في دعمنا وتوفير ما نحتاجه من الاخشاب والمواد الاولية الاخرى، سيساهم في ايقاف اعمالنا وغلق ورشنا وتسريح عدد من العاملين لعدم قدرتنا على تسديد اجورهم.

 انقطاع مستمر للتيار الكهربائي

من جانب آخر، بيّن النجار ابو محمد في منطقة الغزالية ان «من الاسباب المهمة في تراجع مهنة النجارة وابتعاد الكثير عنها هو تردي التيار الكهربائي بشكل كبير، اذ أننا نحتاج الى تيار كهربائي مستقر لا يقل عن 30 امبيرا للورش الصغيرة، نتيجة لتنوع المكائن، مشيرا الى عدم القدرة على الاشتراك بالمولدات الاهلية، لان مبلغ الاشتراك سيصل الى ستمائة الف دينار شهريا، وهو مبلغ لا نستطيع تسديده بسبب ركود العمل وشحته.

ودعا النجار الحكومة الى القيام بإصلاح المنظومة الكهربائية وتزويد الورش والمعامل بالتيار الكهربائي بصورة مستمرة، لنتمكن من الاستمرار بالعمل وتشغيل الأيدي العاملة وتنويع الاقتصاد دون الاعتماد على المستورد من الأثاث الرديء.

وأضاف انه «لا أخفيك سرا كان يعمل معي في الورشة عشرة عمال بصورة دائمة، وفي بعض المواسم التي يكون فيها الطلب على اثاث غرف النوم كبيرا، احتاج الى اكثر من هذا العدد، لذا اقوم بتشغيل عمال إضافيين، ولكن الآن وبسبب شحة العمل وعدم قدرتي على تسديد أجور العمال قمت بتقليص عددهم الى عاملين فقط وتسريح الآخرين على مضض لأنني اعلم انهم أصحاب عوائل ومحتاجون.

ارتفاع أسعار الأثاث المحلي

وعن سبب ارتفاع أسعار الأثاث المحلي امام المستورد، بين النجار ابو حيدر صاحب ورشة في شارع المفيد بالكاظمية ان «اسعار الاثاث المحلي وخاصة غرف النوم غالية قياسا الى الاثاث المستورد التركي او الصيني او الماليزي، والذي يتم استخدام الخشب الصناعي المكبوس ( البلوكات) فيه، وهي عادة اضعف من الخشب الطبيعي، اما الاثاث المحلي فنستخدم فيه الخشب الطبيعي المستورد من مناشئ عالمية معروفة، اضافة الى استخدام اليد الماهرة، ونادرا ما نستخدم المكائن الحديثة في حالات القطع او التصميم، وايضا استخدامنا التصاميم المرتبطة ببيئتنا وارثنا التاريخي، هذا ما يجعل أسعارنا اغلى من المستورد.

وشكا ابو حيدر من اصحاب الاموال الطائلة الطارئين على هذه المهنة قائلا: «هناك العديد من اصحاب الاموال التي تجمعت لديهم نتيجة الفساد، قاموا بفتح معارض كبيرة للاثاث المستورد المنزلي والمكتبي، والتي هي غالبا ما تكون رديئة مما يجعل اسعارهم رخيصة لا نستطيع منافستها».

اجور ضئيلة

بدوره، اشار سعد باقر 33 عاما احد العاملين في معمل للنجارة في منطقة العلاوي الى انه «بسبب شحة العمل وقلة الطلب على الاخشاب المستعملة، تم تقليل اجري من 200 الف دينار اسبوعيا الى 150 الف دينار، اي ان راتبي في الشهر اصبح 600 الف دينار: ادفع منه 50 الفا عن ايجار غرفة في فندق، أسكنها مع اربعة من زملائي، لانني من سكنة محافظة ذي قار، واصرف 200 الف دينار طعاما وملابس، والمتبقي 350 الف دينار ارسلها الى عائلتي في الناصرية، وهي في كل الاحوال لا تكفيهم»، مبينا ان عمله المجهد من الصباح الباكر وحتى الخامسة عصرا، يتطلب تفكيك وتنعيم الاخشاب (السكيبات) وتحويلها الى الواح تباع الى محلات وورش النجارة لرخص اسعارها.

وحمل باقر الحكومة اللوم بسبب عدم تشغيل المعامل والمصانع في القطاعين العام والخاص، منوها الى انه «لو تم تشغيل معامل ومصانع حكومية او اهلية لاستقطبت كل البطالة ولا نضطر للعمل باجور متدنية واستغلالنا من قبل ارباب العمل».