تؤشر تقارير المنظمات الدولية المختصة بالنازحين وحقوق الإنسان، وجود حوالي مليون نازح وعائد في العراق، بحاجة إلى الوثائق المدنية خلال العام الحالي. ويكشف تقرير لمجموعة منظمات دولية منها مجلس اللاجئين الدنماركي، المجلس النرويجي للاجئين، ولجنة الإنقاذ الدولية، عن افتقاد نصف هؤلاء الأشخاص وثيقتين أساسيتين، بينما يفتقد ربعهم ثلاث وثائق على الأقل، وفقا لتقييم العام الماضي.

ويتحدث العضو السابق في المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، الدكتور علي البياتي، عن تفاصيل هذه القضية، مبينا أنها من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان، ولا بد من الالتفات لها وحل معاناة مئات آلاف الناس الذين يحرمون من خدمات الدولة ويهمشون بكل شيء.

أرقام مخجلة

قبل فترة وجيزة كشف موقع المجلس النرويجي للاجئين عن وجود نحو مليون نازح عراقي بلا أوراق ثبوتية، فيما بيّن أن “المحرومين” عائلات يعتقد انها مرتبطة بتنظيم داعش الإرهابي، أو تتحمل مسؤوليتها امرأة.

ووفقا للتقرير المنقول عن سبع منظمات دولية، فأن “نحو مليون نازح عراقي، بعد مرور خمس سنوات على الحرب مع الإرهاب، ما زالوا بلا بطاقات هوية وهذا يستدعي التنديد بعدم حصول هؤلاء النازحين على وثائق الهوية الضرورية بعد سنوات على نهاية الحرب”، معتبرا أن “عدم وجود هذه الوثائق يعرقل حصولهم على الخدمات العامة ويعزز من خطر الفقر وتهميشهم”.

وأشار التقرير الذي حمل عنوان “الحياة في الهوامش” إلى أنه وبعد مرور سنوات على هزيمة داعش فإن “امكانية الحصول على وثائق الهوية لنحو مليون شخص من العائلات النازحة، محدودة حتى الآن. وأن النازحين داخليا لا يمكنهم الوصول الى مكاتب حكومية، كما ان العائلات التي يعتقد أنها مرتبطة بتنظيم (داعش)، والعائلات التي تتحمل مسؤوليتها امرأة بشكل خاص، تواجه تحديات عديدة في التقدم بطلبات للحصول على الوثائق المدنية”.

ونقل التقرير الأوروبي عن منظمات الاغاثة قولها إنه “برغم ما تحقق من تقدم منذ العام 2019 فيما يتعلق بإصدار الوثائق المدنية إلا أن من لا يتمكنون من الحصول على وثائقهم الخاصة، معرضون بشكل دائم لخطر الاستبعاد من الخدمات العامة الرئيسية، بما في ذلك الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم. كذلك أن من بين مليون نازح وعائد لا يمتلكون الوثائق المدنية في العام 2022، لم يكن لدى نصفهم وثيقتان أساسيتان، بينما لم يكن لدى ربعهم ثلاث وثائق على الاقل”، وذلك في اشارة الى وثائق إثبات الاقامة والزواج والولادة والوفاة وبطاقة الهوية الموحدة الجديدة، وهي كلها اساسية من اجل الحصول على حصص غذائية شهريا.

انتهاك صارخ لحقوق الإنسان

من جانبه، قال العضو السابق في المفوضية العليا لحقوق الإنسان، الدكتور علي البياتي، أن التقرير يوضح “تلكؤ المؤسسات العراقية في إصدار الوثائق وخدمة المواطنين في هكذا قضايا مهمة”.

وأوضح البياتي لـ”طريق الشعب”، أن التقرير الأوروبي أشار إلى “دوام الدوائر بنسبة خمسين في المائة فقط وعدم تمكنها من الاستجابة لضرورات ومتطلبات هامة جدا لحوالي مليون مواطن، حيث أن غياب الوثائق سيحرم الكثير من الأطفال والكبار من حقوق كثيرة مهمة جدا بالنسبة لهم”، مبينا أن “العائلات التي لدى ابنائها ارتباط بالتنظيمات الإرهابية، أو حتى اشتباه، فهي تعاني من تعقيدات في عملية إصدار الوثائق لدواع أمنية”.

وشدد المتحدث على أن “الأطفال المولودين بعد الحرب على الإرهاب يعانون من تحديات كبيرة، فبعضهم يكون بلا أب، نتيجة فقدانه أو عليه شبهات في المؤشر الأمني، وهذه أسباب رئيسة تتعلق بعدم حصولهم على وثائق، إضافة إلى أسباب أخرى مثل عدم وجود معيل أو مصاعب اقتصادية تمنع المراجعة للدوائر التي تعاني من روتين قاتل وفساد واضح”.

وأكد البياتي أن “حرمان مليون فرد من الوثائق الرسمية هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان يتطلب من الجهات العليا مثل المحافظين والامانة العامة لمجلس الوزراء وكذلك الوزارات المعنية أن يعطون الاولوية القصوى لمثل هكذا ملف والإسراع في انجازه لأن الأطفال بموجب هذا الوضع يحرمون من حق التعليم والصحة”، مردفا ان “المواطن يحتاج إلى تعريف من قبل الدولة، والتعريف هو الوثيقة الرسمية التي لا يحصل عليها حوالي مليون فرد، فكيف لا نعتبر ذلك خطرا وانتهاكا كبيرين؟ لذلك فأن الحرمان من حق الوثيقة المدنية هو بوابة لمواجهة كافة الانتهاكات الانسانية”.

وبحسب ناشطين في المجال الإنسان، فأن العراقيل البيروقراطية والادارية وجوانب التقصير في مديريات الشؤون المدنية في إصدار الوثائق والتصاريح الامنية المتعلقة بالانتماءات المشتبه بها بتنظيم (داعش)، كلها تعتبر من العوامل المساهمة في تعقيدات هذه العقبات أمام حصول هؤلاء الأشخاص على الوثائق التي يحتاجونها.

وبالعودة إلى التقرير الأوروبي، فأنه “تم إقصاء هذه العائلات الى هوامش المجتمع من دون وجود وثائق مدنية اساسية، وهو ما يضاعف ويعزز نقاط الضعف الاخرى”، موضحا انه “من دون اوراق هويتك، فلا يمكنك الوصول الى الخدمات وليس بإمكانك التنقل بحرية عبر نقاط التفتيش، ما ليس بإمكانك أن تتخطى السنوات الخمس من المعاناة منذ النهاية المعلنة للحرب”.

وفي منطقة سنجار وحدها، اعلنت دائرة الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك مؤخرا عن ولادة أكثر من 70 ألف طفل في مخيمات النازحين خلال نحو 8 سنوات. فيما أكد مراقبون أن هذا الرقم ضمن مجموعة أرقام كبيرة تدلل على خطورة الوضع ونقص الخدمات التي تقدمها الدولة، وفي مقدمتها تزويد المواطنين بالوثائق الرسمية.

عرض مقالات: