رفقت جميع الحكومات ما بعد 2003، مشكلة معقدة الا وهي غياب الحسابات الختامية للوزارات والمؤسسات الحكومية، والتي ترفع في تقرير حسابي شامل تقدمه وزارة المالية ليدققه ديوان الرقابة المالية الاتحادي، ويرسل نسخته النهائية إلى مجلس النواب.

مخالفات دستورية واضحة

ويشكّل غياب تلك الحسابات قبل إقرار الموازنة العامة للدولة مخالفة دستورية واضحة ويفتح الأبواب مشرعة للفساد المالي والإداري ونهب ثروات البلد دون حسيب أو رقيب.

ويعلل مستشار حكومي عملية تعثر إقرار تلك الحسابات بـ»صعوبة تسوية السلف الحكومية المتراكمة»، الى جانب «وجود أكثر من سنة مالية لم يتوفر فيها قانون للموازنة العامة»، وبالتالي فان وظيفة مجلس النواب الرقابية بهذا الصدد ستكون شاقة في متابعة استكمال الحسابات الختامية للبلاد للسنوات الغامضة.

ويعلّق الخبير في مجال مكافحة الفساد، سعيد ياسين، على التصريح المثير للجدل لديوان الرقابة المالية بعدما تحدثت عن عدم وجود الحسابات الختامية منذ عام 2016، مؤكدا أن الفساد تحول من شكله الفردي إلى المؤسساتي.

وقال ياسين، إن الفساد فاحش وهو سياسي بامتياز، مبينا أن سبل مواجهته كثيرة وأدوات التنفيذ متوفرة مع ضرورة وجود بعض التشريعات، لكن ذلك يصطدم بالإرادة السياسية التي تحمي الفساد وتوفر الحماية للفاسدين.

اعتراف رسمي

وقال ديوان الرقابة المالية، إن الفساد «تحول من حالة فردية إلى منظومة متكاملة»، مؤكدا عدم استلامه الحسابات الختامية للموازنات ما بعد عام 2016 وحتى الآن.

وأثار كلام نائب رئيس الديوان، عبد الكريم فارس، الرأي العام الذي يندد باستمرار بحجم الفساد ومدى تأثيره على كل مفاصل البلاد.

وأكد فارس في مقابلة صحفية، أن «ديوان الرقابة لم يتسلم الحسابات الختامية للفترة ما بعد عام 2016 من قبل وزارة المالية وهذا يعتبر خللا كبيرا»، وأوضح أن الديوان «استحدث دائرة التحقيقات للقيام في القضايا الموكلة إليه من مجلس النواب ضمن سياق قانونه الخاص».

وبعدما أكد أن مهمة الديوان تكمن في «مكافحة الفساد، وإيقاف الهدر المالي وضمان صرف الأموال في الأوجه القانونية المخصصة»، شدد على أن «الفساد تحول من حالة فردية الى منظومة متكاملة»، بحسب قوله.

فجوة قانونية

وتعليقا على هذا الإقرار الرسمي بحجم الفساد وتحوله إلى منظومة متكاملة، قال سعيد ياسين، الخبير في مجال مكافحة الفساد: إن تقارير ديوان الرقابة المالية في التدقيق والتقييم والتقويم «يمكن رصدها من خلال العمل وهي مهمة».

واضاف ياسين في حديث مع «طريق الشعب»، أن «تقويم الأداء والاستجابة لتقارير ديوان الرقابة المالية التي تشير إلى وجود فساد، من مسؤولية السلطتين التشريعية والتنفيذية لأنهما يتلقيان التقارير ويفترض أن تتم الاستجابة لها. لذلك، أكد الديوان عدم الاستجابة لتقاريره.

وأوضح أن الفساد انتقل من الحالات الفردية إلى حالة مؤسساتية أو عامة، وهذا نتيجة الفجوة القانونية التي تعاني منها المؤسسات العامة من حيث الصرف المالي والحسابات الختامية وآلية التصرف بالمال العام من خلال العقود والمشتريات الحكومية عبر نقل التخصيصات في وزارتي المالية والتخطيط، من حالة إلى اخرى، أو من مشروع إلى آخر».

وزاد ياسين قائلا: ان «هذه المعطيات يجب الوقوف عندها والإقرار بأن الفساد أصبح عملية مؤسساتية وهذا الرصد يؤشر المشكلة العميقة في النزاهة والكفاءة الإدارية التي تعاني التخلف، وكذلك الحال مع الخبرة في المؤسسات العامة»، مؤكدا ضرورة «وجود آليات واضحة في الحسابات الختامية التي تجرى بوزارة المالية لتدقيق جودتها. كما أن أخبارا تتسرب بين فترة وأخرى مفادها بأن أموال الأمانات في شركات العقود التي تبرم مع المؤسسات الحكومية، تختفي بدون معرفة مصيرها.

كذلك أموال للضرائب تختفي وهذه مشكلة بتوزيع آليات تخويل وحدود تخويل موظفي القطاع العام بالتصرف بالمال العام».

الحساب الختامية و «مكافحة الفساد»

وبيّن الخبير في مجال مكافحة الفساد، أن «الحسابات الختامية التي تقدمها وزارة المالية من خلال دائرة المحاسبة العامة، بلا شفافية، ويفترض نشر تقرير تلك الحسابات مع تقديم قانون الموازنة لإقرارها في مجلس النواب».

أما في ما يخص لجنة مكافحة الفساد التي شكلها رئيس الوزراء قبل حوالي عامين، فعلّق الخبير بالقول، أن «اللجنة لم تحقق الغرض المنشود لأن الإرادة السياسية لدى مجلس النواب ضد عملها، ولا يمكن أن تحقق شيئا في ظل هذه البيئة التي لا تعزز النزاهة، ولا تدعم مكافحة الفساد، فضلا عن الضغوط السياسية التي تتعرض لها الحكومة».

ودعا الحكومة إلى «نشر التفاصيل والإفصاح عن المعلومات أمام الشعب والكشف عن أسباب تعطيل عملية تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، سواء كانت من ناحية التشريعات أو المساءلة والمحاسبة»، مؤكدا أن هذه السياسات «رعت الفساد في البلد. كل ما يجري حاليا هو فساد سياسي بامتياز، همّش البيئة القانونية وأجواء المساءلة الآمنة والعادلة والدقيقة داخل المؤسسات، وباتت أطراف سياسية متنفذة تحمي الفاسدين وتدافع عنهم، وتستخدم نفوذها في هذا الأمر».

ولفت ياسين إلى أن للعراق «التزامات دولية ينبغي تلبيتها. توجد اتفاقيات شارك البلد فيها وهي تحدد الفساد كانتهاك لحقوق الإنسان، وأمام العراق فترة قصيرة قبل أن يستعرض العام القادم ما حققه من التزامه مع الأمم المتحدة ضمن اتفاقية مكافحة الفساد في الفصلين (الثاني: المختص باتخاذ التدابير الوقائية) و(الخامس: المختص في استرداد الموجودات والأموال المنهوبة)».

وعن كيفية مواجهة الفساد، قال المتحدث إن البلد «يحتاج إلى قوانين لإدارة العقود والمشتريات، بدلا من التعليمات. وتشريعات مهمة مثل حق الإطلاع على المعلومات، ويجب على السلطة التنفيذية أن تعمل على تبسيط الإجراءات الحكومية في مراجعة المؤسسات وإفساح المجال للقطاع الخاص وتعزيز النزاهة فيه. للأسف هناك شركات تمثل واجهات حزبية تسمى أحيانا لجانا أو هيئات اقتصادية وهي تلعب دورا سياسيا يجب أن يجرم ويوقف عند حده»، مضيفا انه «لا بد من ردم الفجوة القانونية بين الاتفاقية مع الأمم المتحدة، والقوانين العراقية. هذه إجراءات وتدابير وقائية بدون اللجوء إليها سوف يبقى البلد يراوح في الفساد، ولا يقدر على الخروج منه».

وأكد أهمية وجود «إجراءات حكومية تطبق نظام النزاهة الوطني وتوزع الأدوار بين السلطات الثلاثة»، مردفا ان «المنظومة العقابية غير رادعة للفساد، ولا بد من تشريعات مثل قانون العقوبات وقانون الاسترداد الجديد، وهمها مرسلان إلى البرلمان منذ فترة. وكذلك الأمر مرتبط أيضا بتحسين البيئة الانتخابية وإدارة الانتخابات بنزاهة ووضوح وعدم القفز على نتائجها».

عوامل تعثرها

وكان المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء، مظهر محمد صالح، حدد عاملين أساسيين أسهما في تعثر إقرار الحسابات الختامية للدولة منذ عشر سنوات.

وقال صالح، إن «الحساب الختامي للدولة يعكس عمليات تطبيق الموازنة العامة على وفق اللوائح القانونية والأنظمة والتعليمات المالية الصادرة، ليظهر المركز المالي للدولة، ذلك لما عليها من حقوق واجبة التحصيل وما عليها من التزامات واجبة السداد».

وأضاف أن «رصيد الحساب الختامي يوضح الزيادة أو النقصان في أصول الدولة أو موجوداتها الذي يجسده العجز في المصروفات أو الفائض في الإيرادات خلال السنة المالية الواحدة».

وتابع «لذا يعد الحساب الختامي الحكومي أحد أهم القوائم المالية التي تقوم الحكومة بإعدادها سنوياً وذلك استناداً إلى أحكام المادة 34 من قانون الإدارة المالية النافذ رقم 6 لسنة 2019 المعدل والخاصة بالبيان المالي وذلك لإيضاح المصروفات والإيرادات الفعلية كافة عن السنة المالية المنتهية وما يترتب عليها من فائض فعلي أو عجز حقيقي».

ولفت إلى أن «السلطة التشريعية لم تستطع إقرار الحساب الختامي بعد العام 2012 وحتى الوقت الحاضر، أي مضى عقد من الزمن والمركز المالي للدولة ما زال غير مُعرف بتفاصيله النهاية أمام السلطة التشريعية التي تعد السلطة الرقابية الأولى في البلاد».

وأشار إلى أن «عاملين أساسيين أسهما في تعثر إقرار الحسابات الختامية بشكل منتظم منذ عشر سنوات، الأول صعوبة تسوية السلف الحكومية المتراكمة التي بلغت رقماً مرتفعاً جداً وربما يعادل من حيث المبلغ مصروفات سنة مالية كاملة أو أكثر وتفتقر للمستندات الداعمة لها بنسبة عالية».

وأوضح أن «العامل الثاني يتمثل في وجود أكثر من سنة مالية لم يتوفر فيها قانون للموازنة العامة، ما يتطلب تشريع (ميزانية واقع حال) وهي أقرب إلى الحساب الختامي ولاسيما للسنتين 2014 - 2020».

وأكد أن «مهمة مجلس النواب الرقابية بهذا الشأن ستكون شاقة قليلاً في متابعة استكمال الحسابات الختامية للبلاد للسنوات 2013-2021 ولكنها ستكون مثمرة بالتأكيد».

عرض مقالات: