حذّر وقع «ميدل إيست مونيتور» البريطاني من خطورة عدم قدرة الأطفال في العراق على ارتياد المدارس، حيث بقي 3.2 مليون طفل بعمر الالتحاق بالمدرسة خارج النظام التعليمي، لاسيما الذين يعيشون في مناطق متأثرة بالنزاعات. وأشار الموقع إلى أن هؤلاء الأطفال أكثر عرضة للاستغلال وسوء المعاملة بما في ذلك الزواج المبكر (خاصة للفتيات)، وعمالة الأطفال والتجنيد في صفوف القوى المسلحة».

وأكد موقع «ميدل إيست مونيتور» على الخطورة التي تحيق بمستقبل الوضع التعليمي في العراق. وقال في تقرير مترجم تابعته «طريق الشعب»، إن «العراق يترنح حاليا ما بين الفوضى والكارثة واحتمال فشل الدولة والنظام التعليمي المتدهور، في الوقت الذي كانت فيه الأنظمة التعليمية في هذه البلاد من بين الأفضل في المنطقة».

اضراراً لا يمكن تصورها

واشار تقرير الموقع إلى أن «عقودا من الحروب والعقوبات والاحتلال العسكري ألحقت أضرارا لا يمكن تصورها بالبنى التحتية العراقية ودمرت أحد اعمدة المجتمع الا وهو التعليم»، معتبراً أن «محدودية استثمار الحكومة في القطاع التعليمي، واستمرار الاضطرابات السياسية والعنف والتهجير الواسع للعائلات، قد أضرت كثيراً بخدمات القطاع التعليمي».

واشار التقرير إلى أن «الاضرار تطال نحو 90 في المائة من الأطفال التلاميذ»، مؤكداً أن «مدرسة من بين كل مدرستين، لحقت بها أضرار، والعديد من المدارس تعمل بمناوبات متعددة، وعدد الاساتذة المؤهلين يتراجع في كل المراحل التعليمية». وبين التقرير أن «الميزانية الاتحادية للعراق لا تخصص سوى أقل من 6 في المائة للقطاع التعليمي، الأمر الذي جعل العراق في ذيل لائحة دول الشرق الاوسط تعليميا».

وذّكر التقرير بحاجة أطفال العائلات النازحة، الذين يتعافون من الصدمات النفسية المرتبطة بالنزاعات، إلى استئناف التعليم بشكل ضروري، لأن ذلك يمنحهم شعوراً بالأمان والحياة الطبيعية. واستدرك بالقول « لكن النقص في الكادر التعليمي، حيث يعيش العديد من المعلمين ايضا حالة نزوح، بالإضافة إلى عدم كفاية المباني المدرسية، أسباب تعيق بشكل كبير إمكانية الوصول إلى العلم».

تفعيل الزامية التعليم

ودعا التقرير إلى تفعيل قوانين الزامية التعليم وتوفير الأبنية المدرسية الجديدة وتأهيل المتهالكة منها كخطوات أولية لإعادة الطلبة إلى مدارسهم. 

وواحدة من اهم الاسباب التي تجعل الاطفال بعمر الدراس خارج مقاعد المدارس هي النقص الكبير في عدد الابنية المدرسية.  ولم يرد المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم، على اتصالات مراسل «طريق الشعب». 

لكن وكيل الوزارة فلاح القيسي، قال في لقاء متلفز تابعته «طريق الشعب»، إن «الوزارة بحاجة الى 8 الاف مدرسة خلال السنوات الخمس المقبلة»، مشيرا الى أن «هناك مدارس في بغداد يقوم مديروها بالتدريس بسبب نقص الكوادر». وتابع أن «العراق بحاجة الى 10 الاف بناية مدرسية لسد النقص، موضحا أنه وفق معدل بناء المدارس نحتاج الى 15 سنة لإكمال النقص في الابنية المدرسية».

وختم حديثه بالقول أن عدد المدارس الطينية في عموم العراق نحو 200 مدرسة غالبيتها في المنطقة الجنوبية، لافتا الى أن الدوام الثلاثي يكثر في القرى والارياف.

بيئة طاردة للتلاميذ

من جهته، قال عضو اللجنة التنفيذية لاتحاد الطلبة العام في جمهورية العراق، أيوب عبدالحسين، لـ»طريق الشعب»، «نحن بحاجة ماسة إلى تفعيل القوانين التي تؤكد على الزامية التعليم، بالإضافة إلى وضع حلول للأسباب الادارية والتقنية التي تمنع العوائل من ارسال أبنائهم للمدارس». 

وأضاف أن «الخدمات الرديئة الموجودة في المدارس الحكومية حولتها إلى بيئة طاردة للتلاميذ، فضلاً عن اكتظاظ الصفوف بالتلاميذ»، مبيناً أن «الأسباب كثيرة في جعل الطلبة خارج المدارس، منها غياب الدروس الترفيهية وكثرة الخريجين العاطلين عن العمل». 

وذكر عبدالحسين، أن «الوضع الاقتصادي العام في العراق والذي ينعكس بشكل مباشر على الافراد والعائلة، يعد من أهم الأسباب، فضلاً عن انعدام الاهتمام بالعوائل التي تعيش تحت مستوى خط الفقر، والتي تدفعها لقمة العيش إلى إخراج ابنائها من الطلبة وزجهم في العمل لسد متطلبات قوتها اليومي».

وبحسب مؤشرات جهاز الإحصاء المركزي في وزارة التخطيط، فإن أعداد الطلبة الملتحقين في عام 2018-2019 للذكور والاناث، قد بلغ ما نسبته 94 في المائة في المرحلة الابتدائية و57 في المائة في المرحلة المتوسطة و28 في المائة في المرحلة الثانوية من عدد الطلبة الذي يفترض التحاقه في هذه المراحل الثلاث. فيما بلغت نسبة التسرب في الدراسة الابتدائية 37 في المائة، وفي الدراسة المتوسطة 66 في المائة. وفي الدراسة الاعدادية ما يزيد عن 70 في المائة. 

نقابة المعلمين تحذر 

وفي السياق، حذر نقيب المعلمين عباس السوداني, أمس, من انهيار العملية التربوية نتيجة استمرار الفساد وغياب التخطيط , مبينا انه لا يمكن تطبيق أي تجربة عالمية تسهم في تطوير العملية التربوية في ظل الواقع المزري للبنى التحتية.

وقال السوداني في تصريحات صحفيو، تابعتها «طريق الشعب»، إن «ما نشهده من تراجع كبير في العملية التربوية سببه الاعداد الكبيرة للطلبة في الصف الواحد الذي يمنع من وصول المعلومة للطالب وتأخير اكمال المنهج العلمي». وأضاف، أن «أي عملية تربوية تعتمد على أربعة أسس التلميذ , المدرسة, المعلم, المنهج, وهذه الأسس في العملية التربوية العراقية فيها مساوئ كبيرة نتيجة الفساد وغياب التخطيط الحكومي». 

وأوضح السوداني، أن «الحلول الترقيعية في بناء المدارس خاصة المدارس الكرفانية ساهمت بتعميق المشكلة , حتى ان المبادرة الصينية في بناء 1000 مدرسة هي نقطة في بحر امام الاحتياج الحقيقي لبناء المدارس», داعيا الحكومة المقبلة إلى “وضع ملف التربية من أولى اهتماماتها». 

منظومة تعليمية متهالكة 

ويقول المهتم بالشأن التربوي، علي بخت لـ»طريق الشعب»، إن «أهم المنظومات الخدمية في العراق هي الأكثر اهمالاً من قبل الحكومات، فالبنى التحتية التابعة لوزارة التربية غير مؤهلة للتعليم، والأساليب القديمة التي يستخدمها المعلمون في التعامل مع الطلبة تساهم في رفع نسب التسرب من الدراسة». 

وأشار إلى أن «تفشي ظاهرة التنمر بين الطلبة جعلتهم ينفرون من المدارس، خاصة مع غياب آليات تحد من ظاهرة التنمر»، مبيناً أن «عدم جدوى مخرجات التعليم أحد أهم الأسباب التي جعلت العائلات تسمح لأبنائها بترك الدراسة». 

وأوضح أن «هناك فجوة كبيرة بين التعليم الحكومي والأهلي، فالكوادر التدريسية والإدارات والأبنية التي توفر المستلزمات المطلوبة مؤهلة في التعليم الاهلي، مقابل اهمال للطلبة واحتياجاتهم في التعليم الحكومي».  

وللأسف، لم يرد المسؤولون في وزارة التربية على اتصالات مراسل «طريق الشعب»، للحصول على رأيهم بهذا الأمر الخطير، ولاسيما ما يتعلق بالإحصائيات الأخيرة.