يواجه التعليم المهني في العراق مشاكل عديدة برغم أهميته في إعداد كوادر فنيّة ومهنية مؤهلّة لسد حاجة سوق العمل. 

ويتحدث مختصون عن إهمال تطوير هذا القطاع من قبل الجهات المعنية، وترك الطلبة الوافدين إليه في كل عام، أمام خيارات جامعية محدودة بعد تخرجهم، فضلا عن غياب التخطيط والإدارة السليمة للاستفادة من الخبرات الناتجة عن هذا النوع من التعليم، في تطوير البلد وتحسين ظروفه الاقتصادية.

 

قطاع بالغ الأهمية 

ويتحدث المشرف التربوي الأقدم، ومدير امتحانات التعليم المهني السابق، حسين علاوي عن أهمية التعليم المهني واستفادة العراق منه في فترات سابقة، قائلا: ان الهدف الرئيسي للتعليم المهني هو “إيجاد كادر وسطي في المعامل والمزارع وغيرها من مجالات الانتاج”.

ويقول علاوي لـ”طريق الشعب” انه “في العراق ولدت منذ فترات طويلة اعداديات الصناعة ومن ثم الزراعة ولاحقا التجارة، لتتوسع التخصصات المهنية شاملة الحاسوب والبرمجيات وأقساما عديدة. وتعتمد جميعها على ما يسمى بالعمود الفقري للتعليم المهني وهي الورش المدرسية”، لافتا إلى ان “الورش تعتبر أساس نجاح هذا التعليم وتحقيق الغاية منه؛ ففي عام 1979 أسست شركة (زبلن) عشر إعداديات مجهزة بالورش المتكاملة بكل ادواتها العملية والنظرية وحتى ادوات الخدمة للمدرسين ولهذا نضج التعليم المهني في ذلك الوقت. وأصبح خريجو المدارس المهنية يعملون في قطاعات الدولة أو يتوجهون لفتح ورش العمل”.

ويردف “لكن البلد شهد لاحقا تراجعا ملحوظا في هذا القطاع، والسبب يعود إلى إهمال الورش والسرقة والتدمير التي تعرضت له بعد عام 2003”.

ويشير المدير العام إلى ان “التعليم المنهي حاليا يحاول النهوض وإعادة نشاط ورشه مجددا ولكن النتائج دون المستوى المطلوب. والأمر المؤسف أن مخرجاته باتت لا تلبي حاجة سوق العمل الذي يتحمل القائمون عليه مسؤولية ذلك بسبب النمط الاقتصادي الاستهلاكي السائد. فلا توجد معامل أو مصانع أو قطاع خاص حيوي للاستفادة من مهارات التعليم المهني، وتحولت الغاية من الدخول إلى هذا القطاع الدراسي لغرض الحصول على الشهادة الإعدادية لا أكثر. وحتى الخريجون، لا يستطيع سوى 10 في المائة منهم، وهم الاوائل، إكمال دراستهم الجامعية بعد أن كانت النسبة 5 في المائة فقط”.

ويواصل علاوي حديثه بأنه “قبل عام 2003 فكرنا كمختصين أن ننضج دور التعليم المهني بشكل أكبر، وأتينا بفكرة تسمى (التعشيق) والتي كانت ذات نتائج مجدية للبلد على الصعيد الدراسي والانتاجي”، مبينا أن “فكرة التعشيق تقتضي التنسيق مع كافة الوزارات ومعاملها التي تشهد مشاكل فنية أو حاجات تخصصية، وأن لا تتعامل هذه الوزارات مع السوق لتلبية حاجاتها، وإنما تعتمد على طلبة واساتذة التعليم المهني، وأحدثت تلك التجربة نقلة مهمة وحققت نتائج رائعة بعدما زجت الطلبة بميدان العمل وضاعفت خبراتهم ومهاراتهم. ومثال على ذلك، قيام اساتذة وطلبة من التعليم المهني بتصليح كابسات لشركة الزيوت النباتية، كانت كلفة تصليحها آنذاك تتراوح بين 300 – 400 ألف دينار وهو مبلغ كبير، حيث أنجزت عملية تصليحها بحوالي 125 ألف دينار فقط. ويمكن للمرء أن يتخيل من هذا المثال أهمية دور التعليم المهني للبلد”.

 

إدارة غير مختصة

ويلفت علاوي لـ”طريق الشعب”، إلى ان أبرز مشاكل قطاع التعليم المهني حاليا تتعلق بوجود “كوادر في وزارة التربية تدير القطاع ولكنها غير مختصة به. بينما تغيرت الكفاءات السابقة التي كانت على دراية بالأمور. وأما الجانب الآخر فأن إدارة الدولة اعتمدت على الخصخصة الميتة التي أنهت الصناعة والزارعة في القطاعين العام والخاص، وهذا أثر كثيرا على التعليم المهني لان مخرجاته أصبحت لا تجد مكانا في سوق العمل. وحولت الإدارة الخاطئة للاقتصاد الكثير من طلبة هذا القطاع إلى خريجين غير ماهرين. وبالإضافة إلى ذلك، فأن المدارس المهنية كانت تتلقى في السابق تخصيصات مالية عبر المديرية العامة للتعليم المهني، ولكن بعد إناطة مهمة صرفها بمسؤولية المحافظات التي أصبحت مسؤولة أيضا عن هذه المدارس، أصبحت الأموال والتخصيصات تذهب إلى غير أماكنها الطبيعية وهذا أمر غير منطقي وجائر”. 

ويأمل علاوي “إيجاد تشريع قانوني يستوعب التعليم المهني ويعزز أهميته”.

 

مشاكل إدارية وفنية

من جانبه، يقول جاسم حسين، التدريسي في احدى المدارس المهنية ببغداد، إن هذا القطاع يواجه مشاكل كثيرة تتضمن “ضعف التنسيق بين الإدارات في مؤسسات التعليم المهني، وضعف تلك الإدارات على المستوى المدرسي أيضا، مما يقلّل الاستفادة من الموارد التدريبيّة المُتاحة بِشكل فعّال”.

ويوضح حسين لـ”طريق الشعب”، أن المدارس المهنية تعاني “ضعف التجهيزات، وتفتقر الورش إلى أدوات مهمة يجب أن تتوفر، ما يجعل فترات التدريب الصيفي في الكثير من الأحيان للطلبة غير مجدية، وتقتصر على الحضور لا أكثر. ومن المعرقلات أيضاً، عدم مراعاة احتياجات السوق المحلي عند إعداد برامج التعليم المهني. كما أنّ هناك نظرة سلبية للتعليم المهني مبنيّة على أساس أنه مخصص للفئة الأقل حظاً في المجتمع، إضافة لعدم وجود ضمان للحصول على عمل لخريجي المدارس والمعاهد المهنيّة والتقنيّة”. ويضيف أن أية خطوات يمكن القيام بها لتعديل أوضاع التعليم المهني في العراق يجب أن تتضمن “إيجاد أساس سليم لِنظام إداري للتعليم المهني، ويتم من خلاله التشبيك بين القطاعين العام والخاص. ويجب أيضا إيجاد أو اعداد مناهج وبرامج تعليمية وتدريبية حديثة، وإعداد كوادر تدريبيّة وتعليميّة مؤهلة من أجل تخريج أيدي عاملة مُؤهّلة، تلبّي الحاجات الحاليّة والمُستقبليّة للسوق”، مردفا “يجب إنشاء مراكز توجيه تابعة لِمؤسسات ومعاهد ومدارس التدريب المهني؛ تهدف لمتابعة ومساعدة الطلبة الخريجين في الحصول على عمل بعد التخرّج. وكذلك في تأسيس مشاريعهم الخاصّة في حال رغبتهم في ذلك”.

وينص نظام التعليم المهني رقم 6 لسنة 2016 والذي أقره مجلس الوزراء بعد تدقيقه من قبل مجلس شورى الدولة على ما يلي: “يهدف النظام إلى إعداد ملاكات فنية مؤهلة علميا وعمليا من خلال الدراسة النظرية والتدريب العملي والتطبيق الميداني لسد متطلبات سوق العمل أو مواصلة الدراسة في المجالات المهنية المختلفة. ويضم التعليم المهني مدارس مهنية من الفروع المهنية الصناعي والتجاري والزراعي والفنون التطبيقية والحاسوب وتقنية المعلومات وتكون مدة الدراسة فيها 3 سنوات بعد الدراسة المتوسطة تؤهل الطلاب المتخرجين بعد اجتياز الامتحانات المهنية العامة (البكلوريا) للالتحاق بسوق العمل أو الدخول في الكليات والمعاهد لإكمال دراستهم حسب اختصاصهم”. 

وبحسب القانون فان “المديرية العامة للتعليم المهني تتولى إعداد المناهج الدراسية للمدارس المهنية وفق طبيعة كل فرع منها والاختصاصات التي يتضمنها، بما يضمن المهارات الأساسية وتنمية قدرات الطلاب العلمية والفنية”.

ورغم وضوح الغرض من التعليم المهني وفقا لمسودة النظام، أشّر مكتب اليونسكو في وقت سابق وقائع خلافا لما ذكر أعلاه، حيث يؤكد “انعدام التنظيم وغياب التنسيق بين إدارات الأنظمة الفرعية. وأن هذه البيئة تفتقر لإطار مؤسساتي لتنظيم وتكامل وضمان نجاح المشاريع والبرامج التدريبية. ويؤدي ذلك في الغالب إلى مضاعفة في الجهود وعدم استخدام الموارد التدريبية الضئيلة بصورة فعالة. إضافةً إلى ذلك، تساهم مركزية اتخاذ القرار في نظام التعليم المهني، وكذلك ضعف القدرات الإدارية على المستوى المدرسي، في عدم استخدام الموارد بشكل كفوء”.