تنامت خلال السنوات الماضية ظاهرة لجوء الشباب العاطلين عن العمل إلى المقاهي الشعبية، التي تحولت، بنظر باحثين ومختصين، إلى بؤر للإدمان على التدخين، بعيدا عن الأنشطة التثقيفية أو التوعوية لفئة تعتبر الأكبر بين فئات الشعب. 

وبينما تزداد أعداد القاصرين الذين يرتادون هذه المقاهي، تغيب الرقابة اللازمة عن الحد من هذه الظاهرة.

 

تحسين ظروف الشباب

ويقول الباحث لطيف عبد سالم إن مجتمع المقاهي “غير قادر على تقديم الحلول للشباب أو تحسين ظروفهم في ظل المشهد الحالي”.

ويوضح سالم لـ”طريق الشعب”، وجود عدد كبير من الشباب “يلجئون إلى المقاهي لغياب فرص العمل مع الارتفاع الكبير في مستوى البطالة وافتقاد الجهد الحكومي للسيطرة على هذه الآفة الخطرة على المجتمع. ولهذا أصبحت تجمعات المقاهي أو ما تسمى بـ(الكوفي شوب) مجالا لتضييع الوقت بشكل رئيسي”، لافتا إلى أن “إدارات هذه المقاهي تهدف للربح ولا توفر أية منافع ثقافية أو فكرية لتنمية قدرات الشباب مثلما كان في السابق، مع العلم أن الغالبية العظمى منها لا تقدم أي نشاط سوى إدمان التدخين وانحصرت النشاطات الثقافية في مؤسسات محدودة مثل اتحاد الأدباء والكتاب في العراق/ المقر العام، ومنتدى بيتنا الثقافي في ساحة الاندلس ومنتدى بيس بغداد”.

ويتابع المتحدث أن “انتشار الكوفي شوب مشابه تماما لظاهرةِ انتشار المولات التجاريَّة والسمات الاستهلاكية؛ والتي أصبحت نتائجها السلبية ملموسة على عموم الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية. لذلك أرى أن هذا الواقع جعل نشاط المنتديات الثقافية والصالونات الأدبية غير مغر للشباب، بل ربما يضمحل في المستقبل مثلما تلاشت المتنزهات العامة وتحولت إلى مجمعات تجاريَّة ومناطق سكنيَّة”.

 

بطالة متفشية

من جانبه، يتحدث رائد أحمد، وهو شخص يدير أحد المقاهي في العاصمة عن “لجوء الشباب لقضاء وقتهم في هذه الأماكن بسبب البطالة المتفشية، وكذلك للهروب من منازلهم، تلافيا لحدوث المشاكل العائلية، بسبب تردي الوضع الاقتصادي”.

وردا على سؤال وجهته “طريق الشعب”، بشأن عقد ندوات تثقيفية أو فنية في هذه المقاهي، أوضح أحمد بأن ذلك “على الصعيد الشخصي في إدارة المقهى لمدة عشر سنوات، لم يعقد أي نشاط من هذا القبيل، ولم أرَ غيري يقوم بذلك، سوى جلوس بعض الشباب الناشطين في التظاهرات وحديثهم هنا وهناك بين الشباب عن ضرورة الالتحاق بانتفاضة تشرين، بعد أن استشهد عدد من رواد المقاهي أثناء مطالبتهم بفرص العمل والعدالة”.

وفي السياق، يؤكد الباحث الاقتصادي أحمد خضير أن النهج الاقتصادي الذي تم تأسيسه على الاستفادة من العائدات النفطية والابتعاد عن الصناعة والانتاج المتنوع هو “أساس الأزمة بالنسبة للشباب، فضلا عن مشاكل أخرى رهينة الصراعات السياسية”.

ويبيّن خضير لـ”طريق الشعب”، أن “غياب تكافؤ الفرص وانتشار الفساد وغياب العدالة، كلها عوامل ساهمت كثيرا في ظلم الفئة الشبابية الأكبر في المجتمع، خصوصا وأن الملايين منهم يعيشون على خط الفقر أو دونه وفق ما أكدته أرقام وزارة التخطيط الأخيرة. الأمر مؤسف وبحاجة إلى استراتيجية شاملة لجعل ظروف الشباب أفضل، وتحويل أماكن تجمعاتهم إلى أجواء آمنة، بعيدا عن الادمان والضياع”.

 

تقصير مجتمعي 

وعلى صعيد ذي صلة، يكشف الباحث في الشأن الاجتماعي طه عبد الكريم عن إهمال كبير تتحمله جهات مجتمعية متعددة في هذا الشأن.

وأفاد عبد الكريم لـ”طريق الشعب”، بأن “مراهقين لم يتجاوزوا السن القانوني يدخنون في المقاهي وبأعداد هائلة، وهذا الامر يحدث أمام الوجهاء المؤثرين ورجال الدين والعشائر”، لافتا إلى أن “دوريات وزارة الداخلية المستمرة لا تستطيع ضبط ايقاع هذه المخالفات، ما لم يكن هناك رادع اجتماعي حقيقي”. 

وشدد على أنّ “بعض المقاهي أصبحت بؤرا للإدمان وتتجاوز قضية التدخين، بل فيها من يروج المواد المخدرة والأفكار الضالة التي تجرّ الشباب نحو الانحراف، خلافا لما كانت عليه فترة السبعينات والثمانينات عندما كانت المقاهي عبارة عن صالونات ثقافية وأدبية رائعة. مع الاخذ بنظر الاعتبار مظاهر الجهل الحالية التي خلفتها الحروب العبثية على مدار اربعين عاما”.

 

آمال الانتفاضة 

أما المتظاهر الشاب محمد علي فتحدث عن انخراط عدد كبير من هؤلاء الشباب المهمشين والعاطلين في احداث انتفاضة تشرين، أملا منهم في تغيير الحال وتوفير الحياة الكريمة.

ويقول علي لـ”طريق الشعب”، إن الشباب حسوا بـ”الضياع والحرمان والفقر بسبب البطالة وهم يبحثون عن ارزاقهم الشحيحة، ويقضون معظم اوقاتهم في المقاهي يائسين، لكنهم عندما اندلعت انتفاضة تشرين هبّوا بأعداد هائلة للمشاركة فيها من أجل رفض الفاسدين والمتنفذين الذين عبثوا في البلاد بنظام المحاصصة الطائفية”، مضيفا “كان اندفاعهم ينطلق من الحرص على تحقيق الوطن الضامن لكرامتهم ومعيشتهم، ورفعوا شعار (نريد وطن) ولذلك تفاجأت القوى المتنفذة بهم وواجهتهم بعنف مفرط حتى لا يتحول هذا الجسد العاطل الى بوابة للتغيير ومحاسبة المقصرين”.

وتابع قائلا أن “القوى السياسية المتنفذة لا يروق لها ان ترى الشباب الواعي المطالب بالحقوق والحريات، وان يكون رافعة حقيقية للتغيير، وهذا ما يقوض حركتها وامتداداتها ويبعدها عن الجماهير. لذلك هي تريد الابقاء على ادواتها واساليبها السياسية والاجتماعية القديمة ودفاعها عن نظام المحاصصة من خلال تجهيل الشباب وتعطيلهم عن العمل والانتاج”، مردفا “عملت هذه القوى على اقصاء الشباب عن المشهد السياسي وصناعة القرار وتحويلهم الى اصوات انتخابية لا أكثر، ولا يتجاوزون جدران المقاهي، لكن ذلك انكشف بفعل احداث التظاهرات وتبلور اليوم الى رأي وموقف يعتد به ليكون أملا في المستقبل لقلب الموازين”.

عرض مقالات: