تعد ظاهرة زج الأطفال في سوق العمل، من الظواهر المعروفة في العراق منذ سنوات طويلة. إذ تقوم عائلات عديدة، سيما الفقيرة أو التي ليس لديها معيل، بالاعتماد على مجهود صغارها في توفير لقمة العيش.

لكن هذه الظاهرة شهدت خلال السنوات الأخيرة اتساعا مخيفا، وباتت تهدد البنية المجتمعية “خصوصا في ظل تأثيراتها السلبية الخطيرة على الصغار، الذين يجري استغلالهم بأسلوب غير إنساني للعمل قسرا في بيئات غير آمنة” – بحسب ما يراه متابعون واختصاصيون في الشؤون الاجتماعية. 

مما لا شك فيه، أن الفقر يقف خلف هذه الظاهرة، وهو نتيجة حتمية للسياسات الاقتصادية الخاطئة التي عرفتها البلاد.

وينتشر أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و15 عاماً في مجالات مهنية مختلفة تشمل القطاع الخاص تحديداً، تاركين خلفهم مقاعد الدراسة، ما يزيد من أعداد الأميين.

لا حيلة في اليد!

ويعلم أولياء الأطفال أنهم يقسون على أبنائهم بزجّهم في سوق العمل، لكن “لا حيلة في اليد”، كما تقول فيحاء العلي وهي تتحدث عن عمل ولديها التوأم أحمد وأمجد، اللذين يبلغان 12 عاماً من العمر، وتركا المدرسة قبل سنتين.

وفي حديث صحفي، تستدرك العلي مدافعة عن رأيها في دفع ولديها إلى العمل: “انهما يبنيان مستقبلهما، وتعيش أسرتنا بما يكسبانه. فهما يعوضان وفاة والدهما، وأنا أتابعهما جيداً خلال عملهما عند جارنا الذي يملك ورشة لتصليح السيارات، وسيصبحان من الميسورين، لأنهما يتعلمان صنعة مهمة منذ الصغر”.

ورغم فقدان أحمد وأمجد نعمة التعليم وبهجة الطفولة، وانخراطهما في مهنة شاقة تحتم عليهما التعامل مع أشخاص أكبر سناً، إلا أن وضعهما أفضل من كُثر في عمرهما يعملون في مجالات أكثر خطورة وتدميراً لمستقبلهم. فالطفل حيدر الذي لم يتجاوز العاشرة من العمر، يرافق أولاداً اًو شباناً في جمع علب البلاستيك ومعادن أخرى من حاويات النفايات في الشوارع.

يسير حيدر نحو 10 كيلومترات يومياً داخل الأحياء والأزقة، ويقلب حاويات النفايات للحصول على “المقسوم” - وفق جاره الشرطي حسن قاسم، الذي يؤكد في حديث صحفي، أنه حاول مرات منع حيدر من مزاولة هذا العمل، لكن الأخير يصرّ على الحصول على 15 ألف دينار يومياً من عمله، كي يساهم في الانفاق على أسرته الفقيرة.

ويذكر قاسم أن “حيدر يخرج صباحاً ويعود وقت العصر أو بعده. وقد تجادلت معه بسبب تدخينه السجائر، وتعامله وحديثه مع آخرين بقلة احترام متأثرا بمن يرافقهم ويجالسهم ويعمل معهم. ولا أستبعد تعاطيه الكحول والمخدرات. علماً أن والده يعاني إعاقة في الساق تمنعه من السير، وأبلغني أنه لم يعد يستطيع السيطرة على ابنه”.

800 ألف عامل صغير

تقدر مفوضية حقوق الإنسان نسبة عمالة الأطفال في العراق بـ2 في المائة، أي ما يبلغ نحو 800 ألف طفل. وتعتبر المفوضية أن عمالة الأطفال تشكل خطورة على هذه الشريحة، بحكم صعوبة العمل، محذرة من تعرض الصغار العاملين للتحرش، أو استغلالهم من قبل عصابات التسول والاتجار بالبشر والمخدرات.

وتنتشر في أحياء عدة من بغداد، عصابات مختلفة بعضها متخصص في عمالة الأطفال واستغلالهم – وفق ما يذكره ضابط شرطة في حديث صحفي.

ويؤكد الضابط، الذي لم تكشف وكالات الأنباء عن هويته، أن “هذه العصابات محمية من جهات متنفذة، وهي تستغل الأطفال عبر ضمهم إلى شبكات تسوّل ومراقبة أشخاص بهدف سرقتهم أو خطفهم، والعمل في ممارسة الجنس وتجارة المخدرات”.

الكارثة أكبر

من جهتها، ترى الباحثة في علم النفس والناشطة في مجال حقوق الطفل والمرأة، سلمى النعيمي، ان “ما تسجله التقارير الرسمية وغير الرسمية عن عمالة الأطفال لا يتناسب مع حجم الكارثة التي تتعرض لها هذه الشريحة”.

وتضيف في حديث صحفي، أن “تدني المستوى المعيشي والفقر المدقع، يدفعان عائلات كثيرة إلى تشغيل الصغار. وهناك أمثلة كثيرة على حالات خطرة، يُلاحظ فيها فقدان العائلات السيطرة على صغارها بعد زجهم في سوق العمل. إذ يتحولون لاحقاً إلى مدمنين على الكحول والمخدرات”.

وتشير النعيمي، إلى أن “بعض هؤلاء الصغار أصبحوا مشردين. والأكثر خطورة هو استغلالهم من قبل العصابات المسلحة والإرهابيين في تنفيذ جرائم مقابل جرعة مخدرات”.

وتؤكد أن جميع الصغار العاملين يعانون حالات نفسية صعبة، ترتبط بشعورهم بأنهم أدنى مستوى من أقرانهم “وقد تحدثت مع عدد منهم ووجدتهم حاقدين على الناس. ففي حال عدم احتضانهم سيدفعهم الصراع النفسي الذي يعيشونه، إلى الانتقام من المجتمع مستقبلا”.