عندما صدر قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 ونشر في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 280 في 30 \ 12 \ 1959 كانت المادة 57 منه تتضمن الأحكام المتعلقة بحضانة المحضون، وشكلت تلك المادة حالة متقدمة في حقوق الطفل وحقوق الأم فضلا عن انسجامها مع أحكام التطور حينئذ. وبعد مرور ما يقرب من العقدين من الزمن ومن خلال التطبيق وما طرحته الأحكام القضائية تطبيقا لنصوصها لوحظ أن ثمة نواقص تعتريها مع وجود وحالات غيرمعالجة تشريعيا فضلا عن كونها أعطت للقاضي سلطات تقديرية واسعة في حالة غياب النص التشريعي، والسلطة التقديرية هذه وبموجب أحكام القانون الزمت القاضي بالرجوع إلى مباديء الشريعة الاسلامية الأكثر ملاءمة لنصوص القانون ومن دون التقيد بمذهب معين،  وهذا الأمر أدى إلى اختلاف الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم الأحوال الشخصية  بسبب اختلاف الرؤى والأفكار في المذاهب الاسلامية التي اعتمدها القضاة في إصدار أحكامهم فتكون الحاجة والحالة هذه لا بد من إصدار نصوص تشريعية جديدة تسد النقص الحاصل في أحكام هذه المادة أولا، وتقليص حالة الرجوع إلى مباديء الشريعة الاسلامية ثانيا، وهذا الأمر يتطلب من دون شك معالجة تشريعية ملبية لهذه  المطالب .

القوى الوطنية حينئذ وخاصة رابطة المرأة العراقية ومن خلال حرصها على وجود مدونة قضائية رصينة تتعامل مع الأسرة بشكل حضاري وملبية لحاجات المحضون وحق الأم في محضونها، بدأت تفكر جديا بلزوم طرح الأفكار والرؤى والمقترحات المطلوبة لتعديل هذه المادة بما ينسجم وأحكام التطور وعرض الموضوع على السلطة التشريعية في حينها لتشريعه، وقد انظم إلى هذا الجهد النبيل الراحل الدكتور صفاء الحافظ والذي كان على صفة استشارية في مشروع قانون إصلاح النظام القانوني في حينه والذي أوصل المشروع إلى مرحلة النضح فكانت موضوعات التعديل المطلوب تشريعها هي  :

1– إن  الحضانة تدور وجودا وعدما مع مصلحة المحضون .

2– إن الأم أحق بحضانة ولدها لأن هذه الأحقية تصب في مصلحة المحضون

3– إن الأم تبقى محتفظة بالحضانة ولو تزوجت بشخص آخر بعد الفرقة.

4 – أما بالنسبة لمدة الحضانة فقد تم الاقتراح أن تكون عشر سنوات قابلة للتمديد.

5 – إن الأم التي انتزعت منها الحضانة بحكم قضائي يمكن أن تستردها إذا ثبت لها تضرر المحضون وبأسرع وقت.

6– إذا فقدت الأم أحد شروط الحضانة تنتقل الحضانة إلى الأب أو من تختاره المحكمة ومن دون تدخل بقية الأولياء.

7– ليس لأقارب الأب من النساء والرجال حق منازعة الأم في حضانة ولدها.

8– إذا مات أبو الولد فيبقى المحضون لدى أمه ولو تزوجت بأجنبي.

9– إذا أخل الزوج الأجنبي بتعهد في رعاية المحضون كان ذلك سببا للأم الحاضنة أن تطلب التفريق منه.

هذه المطالب والمناشدات والمصحوبة بالحراك  الفاعل كان فعلا نضاليا من أجل الطفل والأم  حمله الهم الوطني إلى المشرع الذي تلقاه واستجاب له لمشروعيته  فأصدره بالقانون رقم 21 لسنة 1978 وقد تلقى المواطن العراقي هذا التعديل بالترحاب والمؤازرة وانحاز اليه بكل مشاعره وإرادته لما له من آثار إيجابية على الطفل والأم والأسرة والمجتمع، وثبتت صحة نصوصه من خلال الأحكام القضائية وتطبيقاتها لنصوص المادة 57 بصيغتها الجديدة  التي استمرت في التطبيق لما يقرب من نصف قرن من دون شكوى من أحكامه لا من الأسرة ولا من المجتمع بمختلف انتماءاته ولا من السلطة القضائية التي طبقتها بشكل سلس وهادىء أفضى إلى استقرار الأسرة وخلق نشىء منتم لها ومعبأ بالإحساس بالمواطنة جراء النصوص القانونية النازعة نحو خير الإنسان واستقامة مسيرته وحسن تنظيم العلاقات بين الأفراد وبينهم وبين مؤسسات الدولة. وتعززت هذه النصوص بعدئذ بنصوص ساندة ومؤيدة لحضانة الأم لولدها واستقرت مبادئها على هذا التوجه في تشريعات عدة منها ما جاء به قانون رعاية القاصرين المرقم 87 لسنة 1980 اذ أكدت المادة 27 منه على: (ولي الصغير أبوه ثم المحكمة). أي أن هذه المادة وبالصيغة المنصوص عليها أبعدت بقية الأولياء في مزاحمة الأم في حضانة محضونها.

المتحمسون لتعديل أحكام الحضانة الآن، وقراءة المشروع قراءة أولى في مجلس النواب مع الضجيج الإعلامي  لبعض النواب وهم يروجون له في وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات  ولمقاصد لا تخفى على اللبيب وعند سؤالهم عن هذا الحماس غير المعهود في السياسة التشريعية لهذا المشروع على الرغم وجود مشاريع قوانين أكثر اولوية منه، فيجيبون بأجوبة عدة منها أن هذا القانون هو قانون ( بعثي ) وبذلك فهو موروث منسوب لحقبة البعث وهذا الجواب فيه غمط لجهد النضال الوطني النبيل ولرابطة المراة العراقية على وجه الخصوص، واستخفاف بالمنجز الفكري الذي أفضى إلى تشريعه بالصيغة المعروفة ومن خلال مختصين في العملية التشريعية والصياغة القانونية وفي مقدمتهم قضاة مشهود لهم بسعة العلم والإحاطة الكبيرة بأحكام الفقه الإسلامي، ولا يجوز اطلاقا انكار فضلهم في وضع القانون موضع التطبيق، والقول ببعثية النص يشكل أحد التبريرات التي وضعتها الأحزاب السياسية ذات الخطاب الديني لالغاء المكتسبات الكبيرة التي حققتها المرأة من خلال مسيرتها النضالية التي قدمت فيها الكثير من أجل الانسان والوطن، فضلا عن أن قانون الأحوال الشخصية ومنذ الأيام الأولى لتشريعه شكل اللبنة الأساسية لبناء الدولة المدنية، وهذا النزوع لا يروق لخصوم الدولة المدنية فكشروا عن أنياب أسلحتهم لمخاصمة كل منجز تتطلبه الدولة لكونهم خصومها ما داموا متمسكين بالهوية الجزئية

عرض مقالات: