هذه المناسبة تبعث حقا على السرور، فثمة أولاً افتتاح هذا المنتدى بالجهود الطيبة للمحلية العمالية ولكل الرفيقات والرفاق الذين بذلوا جهودا كثيفة لتأسيسه. فلهم جميعا تحيتنا. 

ومن جانب آخر يضمنا هذا اللقاء مع رفاقنا العمال، وهو لقاء نريد له ان يتكرر وبوتيرة متزايدة لاكثر من سبب. أولا بالنظر الى موقع العمال والطبقة العاملة في عمل الشيوعيين، وفي عمل الحزب الشيوعي باعتباره الحزب الذي يسعى الى التعبير عن مصالح الطبقة العاملة، وان يكون المعبر الافضل والاصدق عن ذلك. واقول يسعى لأن مجرد وضع عنوان الحزب الشيوعي لا يجعلنا المعبرين الحقيقيين تلقائيا. 

يجب على الشيوعيين ان يثبتوا في الميدان وعبر نضالاتهم، صدق تعبيرهم عن المطالب العمالية ودفاعهم عن الطبقة العاملة ومصالحها، فهم الطرف الاكثر ثباتا والاصدق والاوثق ارتباطا بجماهير الطبقة العاملة. وهذا يشكل تحديا ويتطلب تفاعلا من داخل الحزب وفي مختلف انشطته وتفاعلا بينها جميعا، كذلك في ما يتعلق بالقضايا التي تهم الطبقة العاملة العراقية وتهم نضالها، كما تسهم في تطوير عمل رفاقنا فكريا وسياسيا وتنظيميا، وتساعد في تطوير كوادرنا وفي التعرف الملموس على واقع طبقتنا العاملة. 

وما دمنا نتحدث في هذه المناسبة ذات العلاقة بنشاطنا الفكري والسياسي، فمن المهم الاشارة الى ان الاقتصاد العراقي، وكما تعرفون، تحول اكثر فاكثر الى ريعي، وقد انحسرت فيه الانشطة الانتاجية، وبشكل خاص الصناعية والزراعية وبشكل كبير. ولاحظنا على مدى السنوات الماضية ان الواقع الصناعي يتمثل اما في وجود وحدات صناعية صغيرة جدا، والكثير منها حرفي، وهذا ما تعكسه الصور الفوتوغرافية التي شاهدناها ضمن معرضكم الفوتوغرافي الذي افتتحناه هنا اليوم. وبجانب ذلك هناك القطاع الذي ينمو اكثر،  وهو القطاع الخدمي غير المنظم الذي يجمع النشاطات البسيطة والعمال المحتشدين والعاملين ضمن وحدات صناعية ومعامل متوسطة اوكبيرة تضاءل عددها، بسبب توقف العديد منها. 

هذا الواقع يطرح عليكم في المحلية العمالية وفي هذا المنتدى، تقديم التصورات بشأن المستقبل. فالشيوعيون هنا هم في ميدانهم للحديث عن الطبقة العاملة. وهذا احد المواضيع التي ينبغي للمنتدى العمالي الثقافي ان يباشر العناية بها: كيف يتحول الوجود العمالي الى طبقة؟ وجزء كبير من الطبقة يرتبط بالوعي، والوعي الطبقي ودور الشيوعيين في نشره هما من الاسباب الاساسية لوجود الاحزاب الشيوعية. تاريخيا هو العمل على اشاعة الوعي الطبقي لدى العمال، فأنت كي تتحول الى عامل ذي شعور طبقي  يجب ان يتولد لديك هذا الوعي والا ستكون مجرد عامل.

الامور اليوم اكثر تعقيدا، فالمعامل كما قلنا متوقفة بنسبة كبيرة، فكيف ندخل الوعي الى صفوف العمال في ظل هذه الظروف المعقدة؟ لمعالجة هذا الوضع يجب ان ندرس الواقع، يجب ان نبلور افكارا غير تقليدية ربما في التعامل معه، اشكالا مغايرة في التنظيم والتواصل، ولدينا  هنا مواقع التواصل الاجتماعي.

اذن هذه اشكالية معينة يفترض ان يعالجها المنتدى من خلال تفاعله مع الخبرة في الميدان العمالي والانفتاح على التجارب العالمية والمناطقية، اضافة الى الجوانب الفكرية والسياسية، وبحث معنى الاستغلال الطبقي، وكيف يشعر العامل ان هناك استغلالا.

 للعلم هناك الكثير في الاجواء مما يحاول التعبئة ضد هذا الوعي الطبقي، سواء في الفكر الديني او الفكر العشائري، وهناك الكثير من المنظومات الفكرية التي تحاول بالفعل ان تبعد هذا الوعي الطبقي وتبعد فكرة الاستغلال كما نفهمها: ما معنى الاستغلال في ميدان العمل، وفي ميدان العلاقات الرأسمالية والعلاقات ما قبل الرأسمالية. 

ان بانتظار هذا المنتدى الكثير مما ينبغي ان ينشط لأجله، الكثير من القضايا العقدية وذات الصلة المباشرة بعملنا. وهذا يتطلب برنامجا للتحرك وتحديد من يمكن ان يسهم فيه، كما يجب ان تتولد رؤية لدى من يدير المنتدى حول ما نتوخاه منه؟ فهو ليس لمجرد التثقيف العام، ونحن لدينا منابر غيره للتثقيف العام؟ لماذا اسميناه المنتدى العمالي؟ معنى هذا ان هناك تخصصا، ويجب ان يعطى لهذا التخصص حقه.

 الحركة النقابية العمالية تواجه تحديات كبيرة. فاولا هي ضعيفة، عدد العمال المرتبطين بالنقابات قليل جدا، واكثر من ذلك هي حركة مجزئة، وتعيش انقسامات ليست كلها سياسية ومبدأية. ففيها امراض هي الامراض نفسها التي تعاني منها ميادين اخرى. بالتالي يعاني الواقع العمالي من مجموعتين من المشاكل: قضايا الواقع الموضوعي الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، وقضايا العامل الذاتي بمعنى التنظيمات التي يفترض ان تعبر عن مصالح الطبقة العاملة.

 لذلك فان من بين القضايا التي ينبغي اليوم ان نتوقف عندها، قضية دور الطبقة العاملة في اطار النهوض الشعبي الكبير الذي شهدناه منذ سنوات ووصل اوجه في انتفاضة تشرين .. اين هو دور الطبقة العاملة هذا؟ واين دور النقابات؟ ولماذا هذه الحركة وهذه الانتفاضة وهذا العدد الكبير من الشهداء، وما حققته الانتفاضة من انجازات، لا يرتقي الى مستوى تلك التضحيات، ولماذا ما نلاحظه اليوم من عدم الوضوح والانقسامات؟

ان احد العوامل هنا هو غياب دور الطبقات الاكثر ثباتا في المجتمع، غياب ممثلي الشغيلة، وغياب ممثلي الفلاحين فهذه القضية تهم الفلاحين ايضا. فالدور الفاعل في الاحتجاجات وحتى في القضايا السياسية العامة  شبه غائب اليوم. والمشاركات التي رأيناها هي مشاركات لبعض القيادات النقابية وعلى فترات متقطعة وبشكل رمزي. 

اذا أردنا ان نغير الوضع اليوم في اتجاه الدولة المدنية الديمقراطية ونحو العدالة الاجتماعية، فأين دورنا؟ والسؤال هو: هل ما نقوم به نحن الشيوعيين اولا ومع القوى الاخرى على الصعيد النقابي وعلى الصعيد السياسي، هو كل ما يمكن القيام به لمواجهة هذه التحديات؟ 

 هذا السؤال مطروح على الشيوعيين اولا وعلى الآخرين ثانيا.

انا هنا لا احيّي تشكيل المنتدى فقط، انما احيي ما يكمن وراء تشكيله وما افترض ان يستثمره المنتدى ومنبره بشكل فعال. فايجاد المنابر والبنى التحتية أمر ضروري، لكنه لا يكفي. القيمة هنا تكمن في الطريقة التي يتم بها استخدام ذلك وتوظيفه، وتكمن ايضا في الرؤية والمشروع والمخطط والخطة التي تقف وراء ذلك، والاهداف التي نتوقع تحقيقها. 

نقطة اخرى: نحن نرى هنا حضورا شبابيا ضعيفا، فكيف نعالج الأمر ونحن نعلم  ان هؤلاء يبحثون عن فرص عمل او يبحثون عن تنظيم؟

امام هذا المنتدى اذن طيف من القضايا والمواضيع التي يمكن ان يتناولها، ويعطي الاولوية ليس فقط لما يمس الواقع العمالي وانما لعموم نضالنا، للقضايا الفكرية السياسية التنظيمية التي ينبغي ان نتوقف عندها في ظروفنا الحالية، في ظروف عالم اليوم وفي ظروف عراق اليوم.

الحركات النقابية في جميع انحاء العالم تواجه مشكلات كثيرة، لماذا؟ لان الانتاج وطريقة الانتاج تتغير، والتكنولوجيا تدخل في اكثر واكثر، والعنصر البشري يتضاءل دوره. العامل البسيط الذي كان يكتفي سابقا بتقديم قوة عمله غير المركبة، تحل محله التكنولوجيا في كل المجالات، وأصبحنا حتى في المعامل لا نجد تلك الحشود العمالية المكثفة، بل اصبحوا يعملون في فرق صغيرة وصارعلى العامل ان يكون فنيا ليحصل على دور فيها. وانا هنا اتحدث بشكل عام عن بعض الصناعات في البلدان المتقدمة على الاقل.

 هناك اذن واقع موضوعي ينعكس اولا على الوعي الطبقي، وثانيا على شكل التنظيم النقابي ودرجة مشاركة العمال في النقابات. ونحن عندما نتحدث عن الطبقة العاملة لا نتحدث فقط عن النقابات، لا نختزل عملنا بالنقابات، بل نتناول الدفاع عن الطبقة العاملة، وكيفية العمل من اجل العدالة الاجتماعية وما يرتبط بها، ولكن بأشكال مستحدثة ربما، أشكال تختلف عن الاشكال السابقة. 

انها قضايا يمكن ان توفر مواضيع خصبة في هذا الجانب، وعلى المنتدى ان ينهض بهذا الدور. وهو بالتأكيد يحتاج الى دعم اكثر من جهة داخل الحزب، بدءاً بالمحلية العمالية التي لن تقدم دعما باتجاه واحد. فهي في عملها وتأدية مهامها ستحتاج بدورها الى المنتدى، ستحتاج الى اجابات وتوضيحات  وتصورات تساعدها في رسم توجهاتها وبرامجها. 

كذلك يمكن للمنتدى ان يساعدها في تطوير كوادرها، وفي نسج العلاقات ضمن اوساط مختلفة، اولا الوسط العمالي او الجهات المعنية بالوسط العمالي على عدة مستويات، كذلك الأوساط الاجتماعية والثقافية والاكاديمية وغيرها.

 يمكن للمنتدى اذن ان يوفر فضاء يلتقي فيه الكثير من الانشطة، ويمكن ان يوفر اداة ووسيلة للانفتاح على الكثير من القوى، ويمكن ان يكون واسطة ومجالا اساسيا للارتقاء بعمل المحلية العمالية وبالتالي بعمل الحزب ككل. 

لكن وفي المطاف الاخير سيتوقف الأمر على الكيفية التي سيتم بها استخدامه وتوظيفه بصورة مبرمجة وممنهجة وبوضوح تام.

 أحيّي مجددا رفاقنا الذي عملوا على اقامة هذا المنتدى وكللوا جهدهم اليوم بافتتاحه، واحيّي ايضا جميع رفيقاتنا ورفاقنا الذي يعلمون بجد وتفانٍ في مختلف الميادين وفي مختلف المجالات، كما احيّي الرفاق الذين قاموا بدورهم المشهود في النضال الحزبي والنضال العمالي، والذين كان تكريمهم اليوم مبادرة وخطوة ممتازة، نأمل ان تكون حافزا لتطويرعملنا والارتقاء به الى مستويات اعلى.

_______________

*نص الكلمة التي القاها سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في حفل افتتاح المنتدى