ارتبط تفشي الفساد بمنظومة المحاصصة الحاكمة، المتهمة مباشرةً بتسهيل تغوّله في جميع مؤسسات الدولة، حتى بات البعض يتحدث عن صعوبة مكافحته وحتى مجرد الحد منه .

لقد اعتمدت قوى المنظومة السياسية المتنفذة نهجَ المحاصصة الفاسد، كوسيلة لإدامة حكمها ونفوذها وهيمنتها. ومن اجل مصالحها أقامت علاقات مشبوهة مع مافيات الفساد وتجار الأزمات، ونسجت تحالفات مع من تحوم حولهم شبهات فساد. وكان لسلاح المليشيات المنفلت دوره في توفير الحماية، والحؤول دون تقديم رؤوس الفساد الى العدالة لتنال جزاءها.

وجراء تدخلات وضغوطات  منظومة المحاصصة والفساد، ظلت خطوات هيئات  التصدي ومكافحة الفساد، دون حجم الظاهرة ومستوى تغوّلها. بل حتى يجري الحديث عن وجود عناصر فاسدة داخلها، تسهل للفاسدين سرقاتهم ونهبهم المال العام.   

ولم يغب موضوع مكافحة الفساد عن أي برنامج حكومي، بل وبقي متصدرا، لكن النتائج المعلنة ظلت خجولة جداً امام حجم الفساد وتنوعه.  لهذا فحين يعلن رئيس مجلس الوزراء عن استرداد جزء من الأموال المنهوبة في اطار “سرقة  العصر”،  فمن المفترض التحلي بالمزيد من الإرادة والحزم. ويتطلب الامر التحرك نحو استكمال  التحقيقات، وكشف الحقائق كاملة عمن يقفون خلف هذه العملية ويدعمونها، والتوجه جديا نحو فتح ملفات الفساد الأخرى، وما اكثرها، والبدء بالكبير والثقيل قبل الخفيف والصغير، وان  يطال ذلك الجميع مهما  كانت مناصبهم  ودورهم  في العملية السياسية. فالفاسد لا يختلف  في شيء عن أي فاسد آخر، مهما كانت مكانته وحجم سرقته .

لقد طالبت الجماهير التي وقفت  في ساحات الاحتجاج منذ شباط 2011، بمكافحة الفساد ومحاكمة رؤوسه الكبيرة والصغيرة. وهذه المطالب كانت  أحد أبرز أسباب اندلاع انتفاضة تشرين في 2019، وستبقى قائمة حتى الخلاص من هذه الآفة ،  وتعاد جميع أموال العراقيين المنهوبة الى أصحابها الشرعيين.

ان من اهم مستلزمات مكافحة الفساد، توفر الإرادة السياسية، بل ان أي وضع حد  لنهب المال العام، لن يتحقق ما لم تكن هناك إرادة سياسية قوية تقف بوجهه.  ومن المطلوب ايضا ان تُعلنَ جميع نتائج التحقيق في ملفات الفساد، وفي هويات من تسببوا فيها والجهة التي ينتمون اليها، وذلك لتعزيز الشفافية التي تتيح للشعب معرفة الفاسد الحقيقي والكيفية التي نهبت بها ترليونات الدنانير واخفيت.

وفي هذه المعركة الشرسة مع لصوص المال العام، بات مطلوبا  دعم مؤسسات مكافحة الفساد، من هيئة النزاهة الى اللجان التحقيقية، ومتابعة تقارير ديوان الرقابة المالية، للتوصل الى نتائج سريعة ومرضية، وتفعيل مبدأ “من اين لك هذا” في التعامل مع كبار المسؤولين وذوي الدرجات الخاصة، كذلك مع الموظفين الذين يعملون في الدوائر المختلفة والذين اغتنوا خلال فترات زمنية قصيرة، وهم ممن يسهل الوصول اليهم لو توفرت الارادة والدعم المطلوب للأجهزة الرقابية.

ويقف في مقدمة الجهات المعنية بمكافحة الفساد القضاء العراقي، الذي يتوجب  ان تتعزز استقلاليته ودوره في حسم القضايا المتعلقة بالفساد، بدون أية ضغوط وأي تأخير او ابطاء .

ومن اجل مباشرة حملة وطنية شاملة لمكافحة الفساد او للحد منه على الأقل، لابد من دور هام للحراك الشعبي والجماهيري باشكاله كافة، ولمنظمات المجتمع المدني والأحزاب الوطنية ومجلس النواب، ولعموم المواطنين. فهذا ضروري للضغط  وللتوعية بمخاطر استفحال الفساد ودوره في إعاقة وكبح أية عملية جادة للبناء والاعمار والتنمية ، والتصدي للفقر والجوع والمرض والبطالة .      

ولقد سبق للحزب الشيوعي العراقي ان طرح ورقة عمل لمكافحة الفساد، وستقوم “طريق الشعب” باعادة نشر الورقة بعد تحديثها، إسهاما في متابعة هذا الملف الخطير، وفي المساعدة على التخلص من الفساد والفاسدين والمفسدين، ومن دوافع هذه الظاهرة المدمرة ومسبباتها.