ثلاثة أيام ثلاثة تفصلنا عن موعد اجراء الانتخابات “المبكرة”، التي طالب المنتفضون والمحتجون وقوى وطنية ومدنية ديمقراطية قبل سنتين باجرائها، مؤكدين ضرورة توفير الشروط اللازمة لجعلها حقا انتخابات مفصلية، بمعنى القطيعة مع نهج فاشل ومدمر مسؤول هو ومن تبنوه عما آلت اليه الامور في بلدنا من تدهورعلى مختلف الصعد. 

فهذه الانتخابات لم تعد مبكرة، بعد ان قاد المتنفذون حملة ممنهجة للتسويف والمماطلة والتهرب من تأمين استحقاقاتها. وعلى مدى سنتين عملوا بمختلف الاشكال والطرق على اضعاف الحركة الاحتجاجية وتفتيتها، وعلى “تضبيط” المنظومة الانتخابية وتشريع قانون يعتمد الدوائر المتعددة في المحافظة الواحدة، ويعظّم فرص أصحاب المال والسلاح والنفوذ والهويات العشائرية والمناطقية، على حساب متبني المواطنة العراقية الجامعة. 

وعلى عكس كل الوعود التي اغدقت بكشف قتلة المتظاهرين ومحاكمتهم، استمر مسلسل الاغتيالات والخطف والتهديد، فاضطر مئات الناشطين الى مغادرة البلاد او تغيير محافظاتهم. ولم تُتخذ إجراءات ذات شأن في مكافحة الفساد والكشف عن ملفاته، صغيرها وكبيرها، ولا حتى في وقفه والحد منه، وما تعلنه المؤسسات المعنية واللجان ذات العلاقة خير دليل على ذلك. 

وبقي السلاح المنفلت يصول ويجول حاصدا الأرواح ومهددا المواطنين، وغدا عاملا مؤثرا في سير العملية الانتخابية وذا دالة على مخرجاتها، والاسوأ ان تجري التغطية على هذا الحراك المسلح بعناوين وأسماء مختلفة، ومنها التخفي وراء القانون. 

وبدت المفوضية ومؤسسات الدولة الأخرى عاجزة عن تطبيق قانون الأحزاب السياسية، وجرى التغاضي عن تطبيق المواد ذات العلاقة بالقوى السياسية التي لها اذرع عسكرية فسُمح لها بالمشاركة في الانتخابات. كذلك أعلنت المفوضية عدم قدرتها على ضبط المال السياسي وكمية الأموال التي تضخ في الحملات الانتخابية، والتي استخدمت على نطاق واسع وباعتراف الجميع لشراء الذمم والاصوات وبطاقات انتخابية ومقاعد ومراكز انتخابية كاملة.

واتخذت في الآونة الأخيرة إجراءات لتوفير الأمن الانتخابي يوم الاقتراع والتقليل من احتمالات التزوير، لكنها ظلت بعيدة عن متطلبات تأمين مستلزمات تشريعية وسياسية وأمنية ولوجستية لاجراء انتخابات عادلة ونزيهة، تكون بداية سليمة على طريق انتشال البلد وانقاذه. والى جانب هذا نرى بعض إجراءات المفوضية لا تفضي الا الى تعميق الشكوك بالانتخابات ومخرجاتها، ومن ذلك طريقة حساب نسبة المشاركة التي ابتدعتها هذه المرة مفوضية القضاة، بفعل الخوف والقلق من أن تاتي هذه النسبة مثل ما كانت عليه في انتخابات 2018، بما تحمل من نزع للمشروعية السياسية التمثيلية والأخلاقية والمعنوية من مجلس النواب القادم. 

ان مقدمات هذه الانتخابات ومساويء قانونها والظروف التي تجري فيها، كذلك التدخلات الخارجية الواضحة في التأثير على نتائجها مسبقا، كل هذا وغيره دفع حزبنا الى اعلان مقاطعتها، مع التأكيد ان هذا الموقف ليس بالضد من العملية الانتخابية السلمية ولا حتى باعتبارها طريقا سلميا للتغيبر، بل انه جاء وليدا للقناعة التي اكدها مجمل سير العملية الانتخابية، كونها لا تلبي حاجات بلدنا واستحقاق التغيير الذي غدا ضرورة وامرا ملحا وليس ترفا . فالحزب على كبير قناعة، وفقا لقراءة موضوعية لمدخلات الانتخابات الحالية، الداخلية والخارجية، ان مخرجاتها لن تغير من تشكيلة مجلس النواب القادم الا لماما، وعلى نحو غير مؤثر، وان القرار سيبقى خارج البرلمان بيد القوى المتنفذة، وهي المتمسكة بالمنهج الفاشل وتسعى حتى في حملاتها الانتخابية الجارية الآن الى التغطية على ذلك بكلمات ووعود معسولة، جرّبها المواطنون منذ 2005. 

ستجري هذه الانتخابات كما خطط لها، وبتوافق ارادات داخلية وخارجية، ولدوافع متعددة، لكنها ابعد من ان تلبي حاجات المواطنين وتطلعاتهم.

ان قلقا مشروعا يجتاح المواطنين، ونحن منهم، في ظل حدة التنافس والصراع الجاري والضرب تحت الحزام لفرض الارادات، والكثير منه يستند الى السلاح، ما يفتح الباب على كل الاحتمالات، ومنها حالة الفوضى التي تحدث عنها البعض، لكنه تجاهل عن عمد تأشير مسؤولية المتنفذين عن ذلك، وعن إغلاقهم كل الأبواب الممكنة امام عملية التغيير السلمي، وتلبية مطالب المنتفضين واغلبية بنات وأبناء شعبنا. 

ونحن اذ ندعو جماهير شعبنا الى اليقظة والحذر، نشدد على أهمية تضافر جهود قوى التغيير، من اطراف مدنية وديمقراطية، وحراكات تشرينية، وكل المتضررين من تداعيات ازمة البلد الشاملة، وندعوهم الى المزيد من تراص الصفوف والاستعداد للدفاع عن مصالح الوطن والشعب العليا، ومواصلة تعظيم الزخم والحراك الجماهيريين بمختلف الطرق والوسائل السلمية، لفرض ارادة الجماهير المكتوبة بنار الازمات، وارادة عموم شعبنا التوّاق الى التغيير، والقطيعة التامة مع منظومة المحاصصة والفساد والسلاح المفلت، ووضع بلدنا على الطريق السليم المفضي الى إقامة البديل المتمثل في دولة المواطنة والقانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية، الدولة المدنية الديمقراطية.