اتسمت العمليات الانتخابية التي جرت منذ 2005 وكنا مشاركين فيها، بسلبيات عديدة بينها غياب المنظومة الانتخابية السليمة، وغياب قانون الانتخابات العادل، وعدم وجود مفوضية انتخابات مستقلة حقا، مثلما رافقتها عمليات التزوير واستخدام المال السياسي، والكثير سوى ذلك مما هو معروف وموثق.

وفي ظل الأوضاع السياسية السائدة وموازين القوى آنذاك كنا نسعى الى تصويب المسيرة، ولهذا الغرض شاركنا في حملات لتصحيح المنظومة الانتخابية، كانت بينها مثلا حملة “لا تسرق صوتي”. غير أن تلك الحملات لم تستطع تحقيق مراميها كاملة والوصول الى النتائج المنشودة. 

من ناحية ثانية استمر وترسخ الكثير من الظواهر السلبية في الحياة السياسية، والتي ترك تراكمها آثاره الوخيمة على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومنها اتساع عدم الثقة بين الجماهير الواسعة والسلطة الحاكمة، وانعكاس ذلك في ارتفاع معدلات العزوف عن المشاركة في الانتخابات، حتى بلغت حدود الثمانين في المائة في الانتخابات الأخيرة.

وشكل هذا التطور من الناحية العملية مؤشرا ذا دلالة وانذارا مبكرا بتنامي السخط، الذي تفجر نهاية الامر في انتفاضة تشرين. وكان أحد مطالبه الرئيسية اعادة النظر في المنظومة الانتخابية، من حيث الآليات والنظام الانتخابي وقانون الانتخاب والمفوضية. وترافق ذلك مع التشديد على التغيير، للخلاص من منظومة المحاصصة والفساد.

وفي المرات السابقة كان العنف يمارس، والارهاب يشمل عامة المواطنين، مستهدفا اعاقة الانتخابات وادخال العملية السياسية في طريق مسدود، تمهيدا لنسفها واسقاطها.

أما في دورة الانتخابات الحالية فان العنف يأخذ طابعا ممنهجا، ويغدو الاستهداف السياسي واضح المعالم، ومسنودا من قوى متنفذة داخل العملية السياسية، والا ما تفسير عجز الحكومة عن الاعلان عن قتلة المتظاهرين ومن يقف وراءهم ؟

ومن الطبيعي ان تشكل البنية الانتخابية القائمة، غير الآمنة، تهديدا مباشرا لحرية االناخب والمرشح، لاسيما وأن قانون الانتخابات الحالي وفّر، ضمن سلبياته الكثيرة، فرصة التركيز على النزعة المناطقية، بدل تشجيع الرؤى المجتمعية والخطط والبرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية، القادرة على اخراج البلاد من أزماتها المستعصية.

من ناحية أخرى سعت الارادة الشعبية المطالبة بالانتخابات المبكرة، الى فتح بوابة للتغيير، اي إحداث تغيير في المنظومة السياسية القائمة وفي النهج الذي قاد الى الأزمة، والذي يديم مآسي الملايين والمخاطر التي تهدد العملية السياسية، بل ومصير البلاد.

وقد أوضحنا في مقال سابق، كيف جرى تقويض امكانية تحقيق التغيير في الانتخابات الحالية. وها أن العراق يمر بمنعطف خطير أشرته الانتفاضة، التي كشفت تعاظم التناقضات وتفاقم الأزمات، وبينت ان لا مفر من تحقيق التغيير، الذي اصبح ضرورة ملحة.

ونعود الى السؤال المطروح: لماذا نقاطع الانتخابات اليوم ولم نقاطعها سابقا؟ 

لقد اوضحنا في مواقفنا ووثائقنا أن الأزمة بلغت مديات غير مسبوقة، وهو ما عكسته انتفاضة تشرين، وتعكسه اليوم الاحتجاجات المتواصلة في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية، فيما تستفحل المعضلات على المستوى الخدمي، خصوصا في الكهرباء والماء والصحة والتعليم وفرص العمل للشباب، وفي ميادين الحياة الاخرى. وما الحرائق التي اندلعت مؤخرا وسقوط الكثيرين ضحايا لها، الا دليل واحد على المعاناة المريرة للملايين، خصوصا الكادحين والمحرومين. 

وتأخذ هذه المعاناة مديات غير مسبوقة في ظروف مواجهة وباء الكورونا، وبالارتباط مع تهالك النظام الصحي.

فهل يمكن للانتخابات اليوم في ضوء هذه الحقائق، وفي ظل عدم تأمين الشروط الاساسية لإجرائها بحرية ونزاهة، أن تأتي بالتغيير؟ خاصة وأن المزاج الشعبي ما زال يعكس انعدام الثقة بامكانية حدوث تغيير حقيقي عن طريقها، في ظل منظومة المحاصصة والفساد التي لا مصلحة لها في توفير الشروط لاجراء انتخابات عادلة؟

لقد أوضحنا مبكرا أن مشاركتنا في الانتخابات مرهونة بتوفير تلك الشروط، التي كررنا هنا الاشارة اليها والى ضرورتها. وقلنا ان غيابها وعجز الحكومة عن تأمينها سيؤديان الى اعادة انتاج منظومة المحاصصة والفساد وسلطتها ونفوذها ونهجها، وبالتالي الى اجهاض الهدف الأساسي من اجراء الانتخابات المبكرة. 

إن اي تغيير يراد للعملية الانتخابية ان تحدثه، مرهون بانهاء الظواهر والممارسات التي تُخلّ بها، والا انعدمت الثقة بمجمل المؤسسة التمثيلية. وان عدم الاصلاح الجدي سيفضي دون شك الى تهديد العملية الديمقراطية بأسرها، ويفتح  الباب على المجهول.