مضى عام أو يزيد على تحديد موعد الانتخابات المبكرة، بقي خلاله المنتفضون والمحتجون والملايين من أبناء شعبنا، خصوصا الكادحون والمحرومون، يتطلعون الى اجراءات فعالة تساعد في اخراج البلاد من أزمتها البنيوية المتفاقمة، وتوفر بيئة سليمة لاجراء انتخابات نزيهة وعادلة. انتخابات تمنح الناخبين فرصة التعبير عن ارادتهم الحرة في اختيار ممثليهم الوطنيين الحقيقيين، وتحقق التغيير المنشود الذي عبرت عنه الانتفاضة والاسناد الشعبي الواسع لها.

فما الذي اتخذته القوى المتنفذة من اجراءات؟

لقد بذلت، وهي التي تخشى التغيير، كل ما في وسعها لضمان ديمومة سيطرتها على السلطة ومواقع النفوذ، والحفاظ على امتيازاتها، وعرقلة كل ما يمكن أن يضع البلاد على سكة التغيير الحقيقي.

وفي السياق ذاته راحت الحكومة (السابقة والحالية) تتخذ اجراءات معاكسة، تتوافق مع نهج القوى المتنفذة، ساعية عبرها الى تفكيك ساحات الاحتجاج، سواء بالقمع السافر او بالتشويه الاعلامي او بثنائي التهديد والاغراء. وبالفعل شهدنا خلال الفترة المنصرمة عمليات اغتيال نفذها مجرمون بملء الحرية وبدم بارد، وبجانبها تواصلت الضغوط على المنتفضين، واستمر التسلل الى صفوفهم، وافتعال تشكيلات ملفقة من قبل أحزاب متنفذة. هذا فضلا عن انفاق المال السياسي بصورة غير محدودة. 

وظل هذا كله يتواصل بشكل منظم وممنهج، منذ اعلان الحكومة موعد اجراء الانتخابات حتى اليوم.

وفي الوقت ذاته تواصل التسويف المقصود للنقاش حول قانون الانتخابات، حيث  لم يعقد مجلس النواب خلال أشهر مديدة أي اجتماع لاجراء المناقشة، بذريعة وباء كورونا. غير أن الدافع الواضح لذلك كان اضعاف الحماس الشعبي، واللعب على تعب المحتجين، في مسعى لاشاعة أجواء اليأس والاستسلام. 

من جانب ثانٍ سبق لحزبنا أن نبه الى سلبيات اعتماد نظام الدوائر المتعددة الصغيرة. وأشرنا في هذا السياق الى أن اعتماد القائمة الواحدة المفتوحة والباقي الأقوى في توزيع المقاعد، معبر أفضل عن رأي شعبنا بكل مكوناته، وينسجم مع الرغبات والدعوات الى تجسيد مبدأ المواطنة. كما أن اعتبار العراق دائرة واحدة (أو على الأقل المحافظة دائرة واحدة) يمثل الطريقة المثلى لتجسيد مبدأ مشاركة المرأة بنسبة لا تقل عن 25 في المائة.

وفي سياق الصراع على موضوع الدوائر الانتخابية وحجمها، تم تقطيع الدوائر بشكل اعتباطي لتلبي مصالح الكتل المتنفذة. 

كما ان من المآخذ على قانون الانتخابات أن المرشح يمكن أن يفوز بنسبة هزيلة، ما يرجح حظوظ القوى والتشكيلات المحلية التقليدية والعشائرية، فضلا عن قوى الأحزاب ذات البنى التحتية والتشكيلات المتفوقة على قوى الاحتجاج، ناهيكم عن المال السياسي وتحكم المتنفذين به واستخدامهم إياه لمارسة ضغوطهم ولتحقيق مآربهم، كذلك وجود السلاح المنفلت.  

وبخصوص العملية الانتخابية هناك أيضا موضوع البطاقة البايومترية، والبطاقات الألكترونية المؤقتة القابلة للتغيير، والوضع المأساوي الذي يعاني منه النازحون والمهجرون، والذي جرى استخدامه على الدوام كوسيلة من جانب القوى والأحزاب المتنفذة في عمليات الابتزاز والاغراء وكسب الأصوات. اضافة الى امكان استخدام التصويت الخاص من جانب من يتمتع بحظوظ لاستغلال هذا الموضوع.

وفي الوقت نفسه يطرح السؤال: ما الذي قدمته مفوضية الانتخابات ؟ 

صحيح أنه جرى تغييرها وجيء بقضاة لعضويتها، غير أن اختيارهم لم يكن بمعزل عن منهج المحاصصة. وما زالت حتى الدوائر والحلقات الوسطى من المفوضية ومراكزها في المحافظات خاضعةلأحزاب المحاصصة. وعلى الرغم من أن المفوضية حددت بعض الضوابط وقامت باجراءات معينة، لكنها لم تستطع تقديم شيئ في القضايا المركزية الأساسية، خاصة في تطبيق قانون الأحزاب، وبشأن التنظيمات المسلحة خصوصا، والكشف عن مصادر التمويل، ووضع سقف أعلى للانفاق، والذي أعلنت أنها عاجزة عن القيام به. كما أنها حددت لاحقا تواريخ واجراءات ادارية بشأن المشاركة في الانتخابات، بطريقة تنطوي على تجاوز صارخ على حقوق الأحزاب.  

لقد اتخذ حزبنا موقفه الواضح منذ البداية، وحدد تقرير اللجنة المركزية للحزب الصادر في حزيران 2020 الشروط التي رأتها ضرورية لاجراء انتخابات حرة ونزيهة وعادلة، تكون فاتحة لتغيير حقيقي. ومن دون ذلك ستؤدي الأوضاع الى تفاقم السخط، وتزايد أعداد فاقدي الثقة بالانتخابات والعازفين عن المشاركة فيها، ما ينزع الشرعية السياسية والتمثيلية والأخلاقية عن المؤسسات التي تنتخبها، في ظل تسلط منظومة المحاصصة والفساد ونهجها المدمر، ولّاد الازمات والمآسي.