مضى عام أو يزيد منذ أن أعلن حزبنا موقفه من الانتخابات. وقد تجلى هذا الموقف المبكر، الواضح، من الانتخابات وشروط إقامتها في بيان اللجنة المركزية للحزب الصادر في الثالث من آب من العام الماضي.

ولعله من المفيد التذكير، هنا، بما ورد في ذلك البيان من تشخيصات دقيقة. فقد جاء فيه “إن الانتخابات المبكرة ليست هدفا بحد ذاته قدر ما يتوجب أن تكون رافعة للخلاص من منظومة المحاصصة والفساد وازاحة جميع المسؤولين الذين أوصلوا العراق الى حافة الهاوية، وأن تكون معبرا الى حياة أخرى جديدة يستحقها شعبنا بعد ما قدم مئات الشهداء وألوف الجرحى والمصابين والمعاقين”.

وأكد البيان “إن تأمين البيئة الضرورية لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة فعلا، تعبر عن آراء وخيارات الناخبين، مرهون، الى حد كبير، باجراءات وخطوات فعالة في مجالات رئيسة يأتي في مقدمتها الكشف عن قتلة المنتفضين والمتظاهرين والجهات التي أصدرت الأوامر، وليس الاكتفاء بتحديد مرتكبي الجرائم، وفتح ملفات الفساد ومحاسبة الفاسدين، حيتانهم وصغارهم، واحالتهم الى القضاء، ومنعهم بذلك من استغلال مواقعهم ونفوذهم وشبكات فسادهم المنتشرة في مفاصل الدولة ومؤسساتها من أجل اعادة انتاجهم وتدويرهم في السلطة. ويسري ذلك أيضا على تنفيذ تعهد الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، ووضع حد لنشاط المليشيات والجماعات المسلحة الخارجة عن القانون ونزع سلاحهم وتقديم من يرفض منهم الى القضاء”.

ومن الجلي أن الأزمة العامة البنيوية في البلاد تواصلت وتعمقت طيلة الفترة الماضية، وهي تطحن ملايين الناس برحاها، وتفاقم معاناتهم المريرة، وتهدد مصائر البلاد وتسد أبواب تطورها الحقيقي، وهو ما شخصته وثائق الحزب وبيانات لجنته المركزية، وبينها بيان تعليق الانتخابات في 9 أيار الماضي، وبيان مقاطعة الانتخابات في 24 تموز الماضي.

وقد اتسعت انعكاسات هذه الأزمة في مختلف الميادين، وخصوصا على صعيد الحياة المعيشية الشاقة، وتدهور التعليم، وتهالك النظام الصحي في ظل تفشي وباء كورونا، وغياب الخدمات الأساسية واستمرار معضلة الكهرباء المزمنة، وتفشي البطالة وارتفاع معدلات الفقر التي طالت فئات الشباب من الذكور والإناث، وهم الضحية المباشرة لهذه المعضلات. 

ولا ريب أن هذا كله بدأ ينعكس في سلسلة من الاحتجاجات التي اندلعت عام 2011، وتواصلت وسط بقاء المشكلات دون حل، بل وتصاعد الأزمات في سائر الميادين. 

ولعل من بين الانعكاسات السلبية الخطيرة ذلك الارتفاع في نسبة عزوف المواطنين عن المشاركة في الانتخابات. وهذا مؤشر سياسي أغفلت الجهات المعنية دلالاته وعواقبه.

أما الانعكاس الآخر الهام فتمثل في سلسلة الاحتجاجات التي سبقت انتفاضة تشرين. وقد تنوعت هذه الاحتجاجات التي شارك فيها الخريجون الباحثون عن فرص عمل، والكسبة والكادحون الذين يلهثون وراء لقمة العيش، والجيوش من العاملين الذين ينتظرون حقهم في تثبيت عقودهم.

ومن الأهمية بمكان أن كل هذه الاحتجاجات المتنوعة ضد نهج المحاصصة والفساد، الذي يشكل أساس الأزمات، قد شملت معظم المحافظات، وأسهمت فيها شرائح اجتماعية عديدة.

وقد توِّج هذا التراكم وتفجر ليحول الشرارة الى لهيب انتفاضة تشرين 2019، التي ماتزال جمرتها متقدة، وإن غطّاها، مؤقتا، رماد القتل والعسف والقهر وأساليب المتنفذين، المكشوفة والمستورة، الساعية الى اجهاض الانتفاضة الشعبية.

غير أن كل من لديهم بعد نظر يعرفون حق المعرفة أن رياحاً ستأتي لتعصف بهذا الرماد، وعندئذ ستتقد، من جديد، جذوة الانتفاضة بعنفوان أعظم وأمل متجدد، قادر على تحقيق ذلك الشعار الذي التف حوله سائر المنتفضين، شعار (نريد وطن). فقد كان هؤلاء رافضين للرموز والقوى والأحزاب الماسكة بالسلطة والمحتمية بنهج المحاصصة.

لقد كشفت انتفاضة تشرين، من بين حقائق أخرى، عورات النظام، ومآرب المتنفذين واستقتالهم في الحفاظ على امتيازاتهم، وسعيهم المحموم لقمع الانتفاضة واجهاضها. وأزالت الانتفاضة كل الستر التي حاول المتنفذون عبرها حجب الحقائق، التي يسطع من بينها اتساع الهوة بين ملايين الكادحين من ضحايا المعاناة، والمنظومة الحاكمة.

وكان المنتفضون واضحين في موقفهم من الانتخابات المبكرة التي طرحوها هدفا، وحددوا شروطها متمثلة بسن قانون انتخابات جديد عادل، ووجود مفوضية انتخابات نزيهة ومهنية ومستقلة، وتطبيق غير انتقائي لقانون الأحزاب، وضمان الاشراف والرقابة الدولية، وخلق بيئة انتخابية سليمة وآمنة، تضمن حق الناخبين في التعبير عن ارادتهم الحرة، فضلا عن منع استخدام المال السياسي، وتحكم المليشيات المنفلتة.

ومن المؤكد أنه من دون السعي الجاد لتأمين هذه الشروط، فان البلاد ستظل رهينة منظومة المحاصصة والفساد، مكبلة بأغلال المآسي، وأسيرة للأزمات التي لن تجد حلا.