تشكل الإحصاءات السكانية أهمية كبيرة ليس فقط في رسم السياسات السكانية وعلاقتها في عملية الاصلاح الاقتصادي وحشد الامكانيات والطاقة المتاحة والممكنة في عملية التنمية المستدامة في النواحي البيئية والاجتماعية والثقافية، وانما الأهم من كل ذلك وظيفتها في إرساء القاعدة البيانية لأغراض الانتخابات وتخليصها من شبكة الشكوك التي تحيط بها في كل مرة إن لم تكن في هذه الدورة ففي الدورات التالية. 

وعلى الرغم من قيام وزارة التخطيط بتوفير بعض الإحصاءات المتعلقة ليس فقط بما يتعلق منها بعدد السكان وإنما تشمل البيانات المتعلقة بالاقتصاد والمجتمع والثقافة وغيرها، إلا أن هذه البيانات التي تردها من الدوائر الحكومية والوحدات المتخصصة المرتبطة بها تفتقر إلى الدقة والنقص الشديد وغالبا العشوائية خاصة في الوحدات الإدارية المرتبطة بالمحافظات الساخنة، وأن الكثير منها يعتمد على التخمين، لهذا نرى اختلاف الأرقام وتناقضها أحيانا حتى في الموضوع الواحد، من هنا تنهض الحاجة الماسة للقيام بإحصاء سكاني عام.

فالإحصاء العام والشامل  يوفر المعطيات التي يتطلبها التصنيف الوطني للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والتوزيع السكاني، وهذه المهمة لابد أن تأخذ في الاعتبار عند إعداد الاستمارات الاحصائية إيجاد إطار عام للمقارنة بين هذه الانشطة والفعاليات على اختلاف عناوينها وعلى الأخص استراتيجيات التنمية المستدامة  وتبيان مؤشرات تطورها على المستوى الكلي والمستوى القطاعي، كما أنه من الضروري الاستفادة من البيانات الاقتصادية التي توفرها مخرجات الإحصاء واستخدامها في ايجاد علاقة بين المؤسسات الاقتصادية ودورها في رسم السياسات الاقتصادية في البلاد عموما سعيا لفك رموز الازمة الاقتصادية المستفحلة وإيجاد المعالجات اللازمة.

كما أن النتائج المتعلقة بعدد السكان تعكس لنا التغيرات السكانية وانعكاسات الهجرة إلى بلدان اللجوء على الموارد البشرية وخاصة من فئة الشباب والخريجين والكفاءات الوطنية من مختلف الاختصاصات باعتبارها عوامل مهمة في حركة النشاط الاقتصادي والاجتماعي وكفاءة الأداء، كما ان نتائج التعداد السكاني تعكس العلاقة بين النشاط الاقتصادي وتوزيع السكان الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بعوامل الصناعة والزراعة وأماكن تواجدها.

وتوفر لنا المخرجات الإحصائية السكانية بالإضافة إلى ما تقدم عدد الرجال وعدد النساء على أساس المهن والعمر ونسبة المتعلمين والأميين من كلا الجنسين بالإضافة إلى عدد العاملين في القطاعين الحكومي والخاص وعدد العاطلين وطبيعة سوق لعمل ومدى استعداده لاستيعاب الخريجين الذين يقدر عددهم السنوي ب 350 ألف من توفيرها بما تسهم في رسم سياسات التوظيف في القطاعين.

بيد أن الإحصاء الذي نتحدث عنه يواجه في الظروف الراهنة العديد من التحديات ليس بسبب الاوضاع الأمنية وقلة الاموال الكافية وأسباب ادارية وتقنية فقط وإنما وهذا هو المهم غياب الإرادات السياسية وصراع القوى الحاكمة على شكل الاستمارة الإحصائية حول شكل ومضمون الإيضاحات المتعلقة بالهويات الطائفية التي درجت عليها في تأمين مصالحها السياسية، في قضية اشكالية غادرها الحكم الملكي في عام 1935.

إن الحكومة وهي تتحدث عن عمق الأزمة المالية المربكة والازمة الاقتصادية وما يصاحبها من ازمة اجتماعية متشابكة فإن في إجراء الإحصاء السكاني ستجد البيئة المناسبة للتخلص من هذه الأزمات، وبالتالي يتعين عليها توفير مقومات الإحصاء من خلال:

  1. قيام الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط للقيام بالتنسيق مع وزارات الدولة كافة بما فيها إقليم كردستان للاتفاق على وضع استمارة إحصائية شاملة مدنية الطابع لكافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والأحوال الشخصية للمواطن خالية مما يفرق المواطن ويحبط آماله.
  2. العمل على وضع خطة متكاملة لعملية الإحصاء تشترك فيها وزارات الدولة وأجهزتها كافة وتحشيد الموارد البشرية المادية الكافية للقيام وشمول كافة محافظات العراق بما فيها الإقليم، بعملية الإحصاء واستخدام التقنيات التكنولوجية للتسريع بإنجاز هذه المهمة.
  3. الاستفادة من تجارب الدول الأخرى المشابهة لظروف العراق وتجارب التعدادات السابقة في هذه العملية وعكسها على هذه العملية وصولا إلى بينات شاملة تخدم عملية التنمية المستدامة.
عرض مقالات: