تبرز ظواهر الهجرة من الريف إلى المدن وظهور الأحياء العشوائية وتعاظم ظاهرة الفقرة بصورة تصاعدية كإحدى الأولويات أمام الحكومات العراقية التي فشلت سابقاتها في إيقاف هذه التداعيات والتي تعبر عن انهيار البنية الاقتصادية والاجتماعية بالرغم من وجود العشرات من التصاميم الأساسية في المدن الكبرى وتوافر الإمكانيات المالية والمادية لإيقاف هذه النزيف الذي أفرغ القطاع الزراعي من الموارد البشرية العاملة.

ومن الواضح أن هذه الظاهرة لم تعد تشكل ضغطا على الحكومات العراقية بل كذلك شكلت ملفا خطيرا من ملفات المنظمة الدولية للهجرة مدعومة من وزارة الخارجية الامريكية التي وصفتها بالظاهرة الدائمة وليست الموسمية، وقد تضمن هذا الملف الذي لم يكن مختلفا عن الدراسات والبحوث الاكاديمية في المؤسسات الجامعية العراقية وأراء الاقتصاديين وعلماء الاجتماع فقد أظهر هذا الملف العوامل المباشرة التي أدت إلى اتساع هذه الظاهرة التي تتلخص بالتدهور البيئي على مدار السنوات العشرة الاخيرة والأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي سواء بسبب ندرة المياه ونوعيتها انعكاسا لمواقف دول الجوار التي لم تأبه بالاتفاقيات الدولية التي تؤكد على التقاسم العادل بين دول المنبع ودول المصب فضلا عن عوامل عدم القدرة على توفير سبل العيش الكافية والمستدامة واتساع مشكلة البطالة لقلة فرص العمل في القطاع الزراعي على مستوى الفرد والجماعة للقيام بالأنشطة الاقتصادية والبحث عن فرص عمل في بيئات جديدة توفر لهم موارد مالية واجتماعية محدودة.

إن الحديث عن ظواهر الهجرة من الريف إلى المدينة غير كاف ما لم يصار إلى البحث في تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والسكنية والبيئية، ومن أبرزها ظهور الاحياء العشوائية التي بلغ عددها حسب احصاءات وزارة التخطيط اربعة آلاف عشوائية عدد سكانها يربو على 3،5 مليون نسمة في عموم البلاد يشكلون 10 في المائة من مجموع السكان وعدد الوحدات السكنية التي يسكنونها 500 ألف وحدة سكنية وبأشكال مختلفة بعضها أشبه بزرائب الحيوانات. ومن تداعياتها المهمة تدهور القطاع الزراعي بسبب هجرة الأيادي العاملة والضغط على سكان المدينة بحيث تؤدي إلى عدم كفاية الخدمات الأساسية وخاصة الكهرباء واكتظاظ المدارس وارتفاع الاسعار وخاصة المواد الاستهلاكية وارتفاع نسب الجرائم نتيجة العادات الاجتماعية المنقولة وخاصة الخلافات العشائرية وسننها المتخلفة وتعارضها مع الطبيعة المدنية لسكان المدن.

إن إشكالية الهجرة وتداعياتها لم تتوقف عند هذا الحد بل أيضا تشمل عدم قدرة المهاجرين على التكيف والاندماج بالبيئات الجديدة والتي تنتشر في العديد من المحافظات بينها بغداد والبصرة والموصل، فالمهاجرون يميلون إلى التجمع في الأحياء التي تعاني من مشاكل اجتماعية متعددة التي تتمظهر في الأمن الاقتصادي والسلامة والحصول على الحقوق وانتقال الكثير منهم إلى أماكن الإيواء المعرضة للإخلاء والعمل ضمن وظائف منخفضة الأجر في القطاعات غير الموسمية كما أن نصف الأسر المهاجرة لا تستطيع تحمل تكاليف الغذاء والدواء والمواد الأساسية و53 في المائة منهم يفتقرون إلى امكانية الوصول إلى شبكة الأمان المالي زد على ذلك ضعف القطاع الخاص في استيعاب الأيدي العاملة من المهاجرين لعدم  تمكنهم من الحصول على وظائف رسمية .

 إن مواجهة ظاهرة الهجرة وتداعياتها تتطلب اتخاذ التدابير الجادة لمعالجة اسباب الظاهرة مقترحا ما يلي:

  • وضع الخطط الشاملة لتحسين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والخدمية في القرى والاقضية الريفية بما تؤدي إلى التمسك بهذه المكاسب والالتصاق بأرضهم.
  • وفي حال العجز عن تحقيق هجرة معاكسة وفق القرارات النافذة من الضروري العمل على ايجاد الظروف المناسبة لتكيف المهاجرين مع طبيعة الحياة في المدينة ومنها تحسين الخدمات السكنية والتعليمية مع الكهرباء والماء.
  • وضع تصاميم مركزية ذات طبيعة طويلة الامد لإنشاء قرى عصرية كاملة الخدمات، البلدية، التعليمية والامنية.
  • انشاء مشاريع اقتصادية زراعية مشتركة بين مجموعة من القرى والاقضية المتقاربة وايجاد منظومات تعاونية متعددة الأهداف وأهمها الاستفادة من الانتاج الكبير فضلا عن تحقيق تكامل بين القطاعين الصناعي والزراعي.
عرض مقالات: