يعتبر العراق جزءًا من البلدان النامية التي تتباين في العديد من الخصائص والمميزات الاجتماعية والسياسية والثقافية، إلا أنها تشترك في ظاهرة الاختلال في الهياكل الاقتصادية التي تنجم عن التفاعل بين مواردها البشرية والمادية غير المتكافئة والتي نتجت عن الظروف التاريخية والعلاقة بالموروث الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وقصور في السياسات العامة وتحد في مستويات التنمية والتطورات المعاصرة.

   ويعاني العراق من مظاهر الاختلال في بنيته الاقتصادية لجملة من الأسباب لعل في مقدمتها الاعتماد الكبير على القطاع النفطي في تحصيل موارده المالية، وضعف التنسيق بين السياسات الاقتصادية ومعاناة القطاع الحكومي الذي كان يشكل القطاع الرائد في النظام الاقتصادي في العراق من الإهمال في تدعيم نشاطه وتحديث مؤسساته التي تآكلت مع الوقت بسبب الحروب والتغيرات السياسية وتخلف اساليب الانتاج، وضعف مساهمة القطاعات الاقتصادية غير النفطية في الانتاج المحلي الإجمالي وتراجع كبير في قطاع الصناعة التحويلية وتنامي الانشطة الخدمية الهامشية ذات الطبيعة الاستهلاكية على حساب الانشطة الانتاجية غير النفطية.

  ومن الجدير بالإشارة في هذه المقام عجز القطاعات الاقتصادية غير النفطية في المساهمة الفاعلة في الانتاج المحلي الاجمالي (الدخل القومي )، ولهذا تعد مصدرا ضعيفا في تمويل الموازنات السنوية التي تتوقف عليها عملية التنمية الاقتصادية، وهنا بوجه خاص يبرز انخفاض نصيب قطاع الصناعة بجانبيه الانتاج والاستخدام ما يعتمد عليه بشكل رئيس أي اقتصاد متحول (مساهمة الصناعة والزراعة لا تزيد حاليا على 5 في المائة من الانتاج المحلي الاجمالي)، وينعكس ذلك على قطاع التصدير الذي ينحصر في الوقت الراهن على السلع الأولية والمنتجات الاستخراجية التي تعتبر أهم المصادر في الحصول على العملة الصعبة، وهنا بالتحديد تتجسد العلاقة الواهنة بين قطاع التصدير وبين القطاعات المكونة للبنية الاقتصادية الأمر الذي يجعلها غير قادرة على تطوير وتحفيز التنمية الاقتصادية.

ومما يضاف إلى ضعف مصادر التمويل من القطاعات الانتاجية ضعف اشد في الموارد الضريبية الأمر الذي يعكس حالة التشوه في التوزيع النقدي ويعكس ضعف كفاءة الأجهزة الضريبية وشيوع حالات التهرب الضريبي من الشرائح الاجتماعية الأكثر ثراء وبالتالي ضعف إسهام الايرادات الضريبية بسبب عدم فاعلية النظام الضريبي وسوء أدائها لدورها في الموازنات العامة مما أدى ليس فقط في زيادة الفجوة بين الإيرادات والنفقات وانما أيضا في سوء توزيع الدخل بين الطبقات والشرائح الاجتماعية.

  من كل ذلك نخلص إلى حقيقة أن كل ما قيل ويقال عن مشاريع الإصلاح التي تطرحها الحكومات المتعاقبة في مساع تخديرية، إلا ان العراق ما زال دولة ريعية ( تعتبر الدولة ريعية أذا زادت نسبة العوائد الخارجية عن 30 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي) وأنه يسبر بثبات على الاعتماد الأساس على الريع النفطي في تكوين النتاج المحلي الاجمالي وتمويل موازناته السنوية مع إهمال لريع الارض وتمثلاته بالزراعة والمعادن الأخرى غير النفطية، وبالتالي يحدد سلوك الدولة والتصرف بهذا الريع الذي يذهب جله على الانفاق العام المشوب بالمبالغة وبوابات الهدر والفساد ونمو الطبقات البيروقراطية والطبقات الطفيلية وانتعاش الزبائنية وما ينتج عن ذلك من سوء توزيع الثروة والدخل واستفحال ظاهرة الفقر المدقع في المجتمع التي تصيب أكثر من ثلث المجتمع العراقي.

  مما تقدم ولأجل تخليص الاقتصاد العراقي من الاختلالات الهيكلية التي ترافقه منذ عدة عقود يتحتم إنقاذ الدولة واقتصادها من طابعهما الريعي عبر تنويع المصادر المالية وتقليل الاعتماد على الموارد النفطية وتخفيض نسبة مساهمتها في الانتاج المحلي الإجمالي من خلال الانتقال المخطط لقطاعات الإنتاج، واعطاء اهمية استثنائية للقطاع الزراعي والصناعة التحويلية والتكامل بينهما ورفع كفاءة التحصيل الضريبي وخاصة الضريبة التصاعدية واعتماد موازنات البرامج والتخلي عن فلسفة البنود، والأهم من كل ذلك محاربة الفساد والتخلي عن الأساليب الشعاراتية في التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة التي أنهكت الاقتصاد والمجتمع في آن .

عرض مقالات: