نظم مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية ندوة نقاشية حول ظاهرة غسيل الأموال في العراق التي تفاقمت خلال الفترة ما بعد عام 2003 بشكل منفلت  شارك فيها نخبة مميزة من الأكاديميين وخبراء وباحثون في الشأن الاقتصادي والقانوني، وخلف هذه الندوة دوافع وأسباب موضوعية لعل في مقدمتها  انفلات عمليات غسيل الاموال وتجلياتها في الداخل والخارج.

  وللتدليل على خطورة هذه الظاهرة فان المعلومات المنشورة على موقع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية تشير إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية قد اتخذت قرارا بدرج 96 مصرفا ومكتب للصيرفة في العراق في القائمة السوداء وتبعا لذلك فإن البنك المركزي اتخذ هو الآخر قرارا بإدراج شركات محلية للصيرفة على القائمة السوداء دون الإشارة إلى التحقيق مع هذه الشركات أو محاسبتها، وهذا الإجراء بحد ذاته يشير إلى ضعف الرقابة على الشركات المالية العراقية وتصرفاتها  المالية رغم مساهمتها الخطيرة في تفعيل هذه الظاهرة والحاقها الضر بالاقتصاد العراقي.

ويبدوا أن انعدام الشفافية في عمل البنك المركزي لسنوات عدة ساهم في تنشيط عمليات غسيل الأموال وشحة المعلومات المتعلقة بالتحويلات الخارجية للأموال العراقية ومواصلة اعتماد السرية المصرفية التي تسهم بقصد أو بدونه على التراخي في مواجهة جرائم غسيل الأموال وخاصة عبر نافذة بيع العملة مما ترتب على كل ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة إضعاف الدخل القومي واستنزاف العملة الصعبة واختلال التوازن بين الادخار والاستثمار وعدم استقرار الأسواق النقدية والمالية واتساع التهرب الضريبي وخلق فجوات طبقية في المجتمع مع ما يرافقها من صراعات متعددة.

وحسب توصيف معهد الحوكمة في مدينة بازل في سويسرا فإن العراق يصنف   في المرتبة السادسة عالميا، وتشير تقارير المعهد إلى أن حجم الأموال المهربة والمسروقة التي تندرج تحت ظاهرة غسيل الأموال يزيد على 180 مليار دولار وان هناك 160 مسئولا حكوميا كبيرا بين وزير ووكيل وزير ومدير عام يمارسون هذه الطرق مما انعكست اثاره التدميرية بالارتباط مع اجراءات البنك المركزي الاخيرة برفع قيمة الدولار بذرائع وحجج غير مقنعة بالضرر على الاقتصاد الوطني والحياة العامة، وبالإضافة إلى كل ذلك فإن بعض المصادر تشير إلى أن قيمة الخسائر التي تعرض لها  الاقتصاد العراقي للفترة من 2006 إلى عام 2014  تقدر ب 360 مليار دولار بما معدله 4 مليارات شهريا بتأكيد منظمة الشفافية الدولية بالرغم من كل الجهود التي بذلتها هيئة النزاهة بالتنسيق مع المؤسسات العراقية والعالمية بما فيها البرنامج الانمائي للأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظومة النشرات الدولية / الانتربول  ذات الاختصاص في شان غسيل الأموال التي لم تضع حدا لهذه الظاهرة الخطيرة .

وأرى أن المعالجات تتركز بما يلي :

  1. تفعيل قانون مكافحة غسيل الأموال وتمويل الارهاب رقم 39 لسنة 2015 وإصدار التعليمات الضرورية لتنفيذه بشكل فاعل من قبل البنك المركزي ودائرة مكافحة الجريمة الاقتصادية في وزارة الداخلية وتقديم الدعم الكافي للقضاء العراقي لمعاقبة الأيادي العابثة بأموال العراق ومن يقف ورائها من السياسيين.
  2. التأكيد على كشف الذمم المالية للمسئولين في كافة سلطات وأجهزة الدولة وإصدار التشريعات القانونية الملزمة لتنفيذها ومحاسبة من تنصل عن الالتزام بها واعتبارها أداة فاعلة وكاشفة في تركز الثروة لدى الكثير من المسئولين وزراء ونواب نزولا عند أصغر موظف في الدولة العراقية.
  3. الاستفادة من لوائح الأمم المتحدة المتعلقة بتهريب الأموال وغسيلها والجرائم التي تدور في فلكها والاستعانة بالشركات الدولية المتخصصة بتدقيق الأموال بالاستناد إلى القرارات التي يصدرها القضاء العراقي.
  4. السيطرة على المنافذ الحدودية ومنع التهريب بكل إشكاله والتنسيق مع دول الجوار للحد من ظاهرة تهريب الأموال والقيم المادية الأخرى.
  5. تشديد الرقابة على المصارف الأهلية بإدخال التكنولوجيا في متابعة المعاملات البنكية ومحاسبة المصارف التي تمارس غسيل الاموال ومحاسبتها بوصفها من الجرائم الاقتصادية الخطيرة والغاء التصاريح الممنوحة لها وتعقب شركات الصيرفة والتحاويل غير المرخصة واتخاذ الاجراءات القانونية بحقها.
عرض مقالات: