انتخابات ١٠ تشرين الثاني  ٢٠٢١ التي لم يعد يفصلنا عنها سوى ايام، ما زالت تثير الكثير من الأسئلة والجدالات والتقاطعات .   

فهي اولا لم تعد مبكرة كما طالب المنتفضون التشرينيون، بل تأتي بعد عامين من المطالبة بها في انتفاضة تشرين ٢٠١٩ الباسلة. كما انها لا تقام وفق الشروط التي شدد المنتفضون على توفيرها ضمانا لنزاهتها وعدالتها، ولتحقيق أوسع مشاركة فيها كي تكون واحدة من الرافعات على طريق التغيير. التغيير الذي بات ملحا جدا، ولم يعد هناك بديل عنه لوقف التدهور على مختلف الصعد، ووضع البلد على سكة التعافي. فقد ماطل المتنفذون وسوّفوا، وحرصوا على تحديد موعد للانتخابات في وقت تراجع زخم الانتفاضة بفعل القتل العمد والقمع الوحشي غير المسبوق، وشرّعوا قانون انتخابات بائسا يكرس احتكارهم للسلطة ، ويطلق العنان لتمدد العناوين الفرعية، مثلما نلحظ ونتلمس الآن في الواقع، على حساب المواطنة العراقية الجامعة .

وفيما  تدعي  مؤسسات رسمية  وأحزاب وكتل مشاركة، وهيئات وجهات أخرى داخلية وخارجية، ان الانتخابات ستأتي بالتغيير، نلاحظ ان الظروف التي تجري فيها، وطبيعة اغلب القوى المشاركة، وما تعلنه في دعاياتها الانتخابية، هذا كله وغيره يقود الى الاستنتاج انها  لن تفضي  الى ما تطلع اليه التشرينيون وغالبية العراقيين. وحتى لو حصل  تغيير ما فسيقتصر على  إعادة توزيع محدود  لمقاعد القوى المتنفذة، واستبدال بعض الوجوه. ومن غير المتوقع حصول تغيير جدي في موازين القوى وتشكيلة مجلس النواب القادم، او في النهج وطبيعة السلطة وفي السلوك العملي، وستبقى المنظومة الحاكمة منذ ٢٠٠٥ هي ذاتها عموما في المشهد العراقي.     

من جانب آخر ستكون هذه الانتخابات الأولى في العراق منذ ٢٠٠٥، التي تواجه مثل هذه المقاطعة المنظمة المعلنة على امتداد الوطن، والتي تشمل شرائح وفئات متنوعة، يضاف اليها العازفون اصلا. لذا فان الوقوف على الحياد في هذه الانتخابات، الذي يقول به البعض، يتوجب ان لا يتجلى في عدم  الانحياز الى اي من المرشحين، لأن في ذلك اهمالا  لرأي واسع جدا يقول به مقاطعو الانتخابات والعازفون عن خوضها.  فكما ان هناك حقا  دستوريا في المشاركة في الانتخابات والترويج لها، هناك حق في مقاطعتها والعزوف عنها. ولا يجوز بأية حال الزام  المواطن باتخاذ موقف معين في الانتخابات بعكس قناعاته،  أيا كانت الاعتبارات والدوافع:  عشائرية او دينية او مذهبية او قومية  او مناطقية او غيرها .

والشيء الاخر الذي يكثر الحديث عنه هذه الأيام هو القول ان لا طريق سلميا غير الانتخابات يقود الى التغيير. وإذ لا اعتراض على العملية الانتخابية الديمقراطية أصلا، فان من غير الممكن الحديث عن الانتخابات بصورة عامة مجردة،  باعتبارها انتخابات وحسب. فهي لكي تحقق الغاية منها لا بد من توفير مقدمات ومستلزمات، والا غدا اجراؤها غير ذي  اثر في تحقيق آمال وتطلعات الناس   .  

كذلك لا يمكن  باي حال من الأحوال حصر العمل النضالي بوسيلة واحدة، ومثال ذلك تقدمه الانتفاضة ذاتها ، فهي من اسقطت الحكومة وفرضت اجراء الانتخابات ، وليس مجلس النواب المنتخب الذي ظل عاجزا عن أي فعل مؤثر !

والاغرب ان يقول البعض بان عدم المشاركة سيبقي الفاسدين في مواقعهم. فهنا يتم تجاهل حقيقة ان هؤلاء تحميهم قوى متنفذة، وفي الاغلب مدججة بالسلاح والمال وقوة السلطة، وذلك ما وفر ويوفر الحماية لهم.

ثم لماذا يسمح للفاسد بان يترشح اصلا؟ هل القانون يسمح بذلك؟  ولماذا هو – هذا الفاسد - طليق يصول ويجول، ولماذا انتظار الانتخابات لابعاده عن موقعه ؟

 يبدو ان انتخابات  تشرين يراد لها ان تجري بغض النظر عن كل ثغراتها ونواقصها الجدية. وتلتقي هنا ارادات قوى نافذة داخلية وخارجية ولدوافع متعددة. ولكن، وكما هو متوقع،  سيجد أغلب العراقيين في اليوم التالي ان الخلاص من منظومة المحاصصة والفساد والمال السياسي والسلاح المنفلت ، ما زال على جدول العمل .