عقد في بغداد أخيرا مؤتمر دولي لمناقشة موضوع استرداد الأموال العراقية المنهوبة، التي تحولت بفعل فاعل وبطريقة من الطرق من الخزينة العراقية إلى البنوك والأسواق الخارجية. والفاعلون هنا هم الفاسدون وزبائنهم الذين استغلوا الثغرات في التشريعات العراقية النافذة، وضعف إجراءات الأمن الاقتصادي، وفشل الرقابة والإدارة الماليتين في متابعة حركة الأموال العراقية وتسربها إلى الخارج.

ويؤخذ من تصريحات السيد رئيس الجمهورية عند لقائه بأمين عام الجامعة العربية والوفود المشاركة في المؤتمر، أن المشكلة الكبيرة التي تواجه العراق والكثير من دولنا هي مشكلة الفساد الذي ينخر منظوماتنا، كما أنه يمثل الاقتصاد السياسي للعنف والإرهاب، منوها إلى أن داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية اعتمد بشكل كبير على الفساد لإدامة نفسه. وقد كان مصيبا في التشخيص ولكن السؤال  الصادم المرتبط بذلك هو: ما الذي منع الحكومات العراقية والسلطات الأخرى من ايقاف ظاهرة الفساد التي زحفت على جميع مفاصل الدولة، وإيقاف تهريب أموال الشعب العراقي  لتستوطن في الخارج ؟

والواقع إن التراكم المالي في العراق كان يعاني من إشكاليات عدة، الأولى تتعلق بالانفتاح على حركة رؤوس الأموال بسبب القرار الذي اتخذه الحاكم الإداري الأمريكي بريمر في عام 2004. فخلال الأعوام 2005-2016 أدى خروج  رؤوس الأموال متأثرا بعوامل نقدية وأمنية وسياسية، إلى عجز في  الحساب المالي، وهي الإشكالية الأولى  في إخراج الأموال المنهوبة.  والثانية تتجلى في إدارة نافذة البنك المركزي التي تحولت بقصد أو بدونه إلى وسيلة مشجعة على تهريب العملة تحت غطاء السياسة الاستيرادية التجارية غير المنضبطة. أما الثالثة فتكمن في ازدواجية الجنسية لمواطنين عراقيين فاسدين، ينتمون إلى أحزاب سياسية وتقلدوا مناصب وزارية ودرجات وظيفية خاصة، أتاحت لهم فرص تهريب الأموال التي سرقوها، والتنسيق مع شركات أجنبية أو شركات يمتلكها عراقيون بهدف الاستحواذ على العقود الحكومية، التي يتركز فيها الفساد المكثف بالأساس .

والاشكالية الرابعة وربما لأهم، هي أن تدوير رأس المال وتعظيم التراكم رافق تمويل التجارة الخارجية ذات الطابع قصير الأجل. والمشكلة هنا تكمن في التزام العراق باتفاقية صندوق النقد الدولي في ظل بيئة يصعب فيها تعريف رأس المال المالي المتدفق إلى الخارج، بحيث يصعب التمييز بين تمويل التجارة ضمن الحساب الجاري وانتقال رؤوس الأموال إلى الخارج ضمن الحساب المالي لميزان المدفوعات.

ويترافق مع كل هذه الإشكاليات أن الدبلوماسية العراقية فشلت في احتوائها  والتحرك الجاد في الدول الموجودة فيها للبحث عن الأصول العراقية المهربة، واستغلال تشريعات تلك الدول والتنسيق مع الحكومة المركزية.

وعلى الرغم من قيام هيئة النزاهة بالتنسيق مع وزارة العدل العراقية والبنك المركزي وهيئة المساءلة والعدالة ودوليا مع الشرطة العربية والدولية (الانتربول /منظومة النشرات الدولية) ومكتب الامم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات والبرنامج الانمائي للأمم المتحدة والبنك الدولي، إلا أن هذه الجهود لم تسفر عن نتائج ملموسة، تتناسب مع حجم الأموال المهربة التي تقدر بنصف الميزانيات للفترة الماضية، بسبب حجم الفساد المتنامي في الداخل وقلة البيانات عن أماكن الأموال المهربة.

لقد كنا نتطلع الى أن تتركز مناقشات المؤتمر والتوصيات التي تنبثق عنه على الأخذ بكل الاشكاليات التي ساعدت على تهريب الأموال والثغرات القانونية المساعدة لها، وأشكال الدعم لاسترداد تلك الأموال.

وتبقى الجهات العراقية مدعوة لاتخاذ التدابير الضرورية، ومنها التوسع في التحقيقات من قبل مؤسسات لها دراية بطرق الفساد وأشكاله الفردية والمنظوماتية، والاستفادة من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وتعديل قانون مكافحة غسيل الأموال وتمويل الارهاب العراقي، بما ينص على تحديد السلطات التي تختص بتنفيذ طلب المساعدة القانونية، والتنسيق مع الشركات الاجنبية التي تتولى متابعة تنفيذ قرارات استرداد الأموال المنهوبة، شريطة صدور قرارات عراقية باتة بإدانة المجرم  ناهب الاموال.

عرض مقالات: