تعبر الموازنات السنوية للدول بالمفهوم الاقتصادي عن مجموعة بيانات تقديرية تفصيلية معتمدة تحتوي على الإيرادات العامة للدولة المتوقع حصولها خلال عام لاحق والنفقات العامة التي يلزم انفاقها خلال نفس العام، فالموازنة بمعنى آخر البرنامج المالي للخطة السنوية المالية المقبلة من أجل تحقيق أهداف محددة في إطار الاستراتيجية العامة للتنمية الاقتصادية للدولة.

ومن الثابت في العراق أن مجموع الموازنات السنوية للفترة من عام 2003 ولعام 2019 بلغت 1261 مليار دولار أي ما يوازي 1512 تريليون دينار عراقي، وأن مجموع أموال الموازنات السنوية خلال فترتي الحكومة التي ترأسها نوري المالكي بلغت 562،3 مليار دولار وأن أقل هذه الموازنات كان 14 مليار دولار في عام 2003 وأعلى موازنة 150 مليار دولار في عام 2014 فما الذي حققته تلك الموازنات الفلكية؟

من بين الأهداف التي ينبغي أن تحققه الموازنات السنوية  تقدير حجم العمالة في سوق العمل وايضا نسبة البطالة فيه، غير أن قراءة المؤشرات  في هذا السوق تشير بلا لبس إلى أن كافة الموازنات سدت الأبواب أمام تهيئة الفرص لتشغيل العاطلين إلا في أضيق الحدود واعتماد الانتقائية في التشغيل مقتصرة على قواعد الاحزاب الحاكمة والفرص التي تتيحها عمليات الفساد الإداري وابقاء مئات الألوف من الخريجين سنويا على الرصيف حتى مهنة  العتالة في سوق الشورجة الذي طالته الازمة الاقتصادية، في وقت يتراجع القطاع الخاص أكثر مما كان لأن الدولة التي صدعت رؤوسنا باقتصاد السوق لم تمكنه من إعادة الحياة بمستوى الفترة التي سبقت مرحلة تغيير النظام.

 اما أهداف التنمية التي شملها التعريف فان مخرجات الموازنات السنوية تشير إلى تدهور في الاقتصاد العراقي بشكل مريع، فالموازنات الرأسمالية في أحسن حالاتها لا تتجاوز 30 في المائة وأن التخصيصات المرصودة ضمن هذه النسبة كانت عرضة للفساد والهدر المالي فان بيانات وزارة التخطيط تشير إلى أن عدد المشاريع غير المنتهية في عام 2021 بلغت 6225 وأنها تحتاج لغرض الإنجاز 126 تريليون لكن تخصيصاتها خفضت في نفس العام إلى 8 تريليونات، كما تؤشر بيانات نفس الوزارة إلى أن 755 مشروعا لم تتجاوز نسبة الانجاز فيها 20 في المائة، زد على ذلك أن عدد المشاريع المتلكئة 359 مشروعا وأن المتوقفة 182 مشروعا وجميعها مدرجة ضمن الخطط الاقتصادية منذ عام 2013 وأن الأموال المنفقة على هذه المشاريع بلغت 94 تريليون دينار وفي مصادر أخرى 100 مليار دولار.

أما في مجال النفقات فكانت النتائج مرعبة حيث بلغت في عموم الموازنات السنوية أكثر من ثلثي المبالغ المقدرة لها وتقدر ب 883 مليار دولار فأين تم انفاقها إذا ما قورنت بمدارس الطين والمستشفيات المتهالكة والطرق التي لا ترتقي إلى مستوى طرق جيبوتي أو الصومال وكيف لا وأن حجم الفساد قد بلغ ضعفي الناتج المحلي الاجمالي ويقدر ب 500 مليار دولار!

  وأبرز الاشكاليات في الموازنات السنوية غياب الحسابات الختامية مع كل موازنة في مخالفة دستورية قاتلة وتؤكد بعض التحليلات أن التأخر في تقديم الحسابات الختامية رغم أنها الأداة الأساسية في تحديد المركز المالي وقياس قدرة الموازنات على تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والمقارنة بين المخطط والمنفذ وحساب الأرباح والخسائر والسيولة النقدية ومشروعية صرف الأموال من قبل الحكومة ومدى انسجامه مع القوانين النافذة وخاصة قانون الإدارة المالية والدين العام يرجع الى تبريرات ساذجة تتعكز على ضعف الوحدات الحسابية في الجهاز الحكومة فإلى متى ؟

إن مراجعة لأية موازنة تعتزم الحكومة إعدادها في العام القادم لابد ان تأخذ في الاعتبار تغيير فلسفتها على أن تكون موازنة برامج وليست بنودا، وأن تتخلص بدون تردد من كافة الأمراض التي صاحبتها ومن أشدها تدميرا الفساد في العقود الحكومية والهدر المالي من خلال المبالغة غير المنطقية في حجم الإنفاق الكلي العام مما يتطلب تنظيف الجهاز الحكومي من الفاسدين والفاشلين واعادة البنية الاقتصادية على أساس واقعي بعيدا عن السفسطة التنظيرية غير المنتجة.

عرض مقالات: