تكمن أهمية الأمن الغذائي في أية دولة، في قدرتها على التحكم في توفير متطلبات المعيشة للسكان وإدارة هذه العملية بطرق علمية قادرة على استيعاب الظروف المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر على توفير مستلزمات الأمن الغذائي بالتزامن مع قدرتها على توفير الطاقة بالظروف ذاتها، حيث أن الأمن الغذائي يمثل شرطا من شروط السيادة الوطنية وهذا يتوقف على تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات الغذائية الكاملة. فهل كان ذلك ضمن حسابات الحكومات طيلة الفترة الماضية؟

      إن التوقف عند واقع الأمن الغذائي والمشكلات التي يواجهها يسهل على المتابع أن يقرر مدى ارتباط موضوعة الأمن الغذائي بالتغيرات التي حدثت  في الهيكل الاقتصادي والذي يجد تعبيره في الهجرة غير المخططة من الريف إلى المدينة التي تعكسه الأحياء العشوائية التي تحيط بالمدن والتي تفتقر إلى أبسط مقومات العيش فالأمن والخدمات المتردية فضلا عن تردي محتويات البطاقة التموينية التي تآكلت سنة بعد اخرى بفعل تردي السياسات المتعثرة  وانتشار الفساد فان المبالغ المرصدة في الموازنات السنوية لهذه البطاقة لم توفر الحد الأدنى من كم ونوع الغذاء المطلوب.

      وليست الهجرة العشوائية من الريف إلى المدينة وحدها التي تفتقر إلى توافر العيش الآمن هو التحدي الوحيد، فان بدائية أساليب الانتاج في الأعمال الزراعية المنشرة حاليا وتخلفها عما يطبق في دول الجوار وتحول واضح في المهنة من الزراعة إلى مهن اخرى التي تدخل في التغذية الجيدة وتؤمن الغذاء الصحيح للمواطن، وكل ذلك ادى إلى أن اللحوم الحمراء والبيضاء وبيض المائدة والأسماك المنتجة محليا والمستوردة لا تستجيب لحاجة السوق، بالإضافة إلى ارتفاع أسعارها بسبب السياسات النقدية الاخيرة بتخفيض سعر صرف الدينار التي فاقمت الأسعار وزادت من معدلات التضخم التراكمي، لهذا فان التقديرات البحثية تشير إلى أن ما يربو على أكثر من عشرة ملايين من السكان الذين يقعون تحت خط الفقر يعانون من سوء التغذية، فقد ازدادت نسبتهم إلى مجموع السكان أكثر من 31 في المائة حسب تقديرات وزارة التخطيط  .

   ولم تكن ظاهرة التصحر التي يتعرض لها العراق بعيدة في تأثيراتها على وضع الأمن الغذائي في دائرة الخطر، فهذه الظاهرة التي تحدثت عنها التقارير المحلية والخارجية والجفاف الذي تعرض له العراق ودول المنطقة في السنوات الاخيرة والمتوقع استمراره في المستقبل اسهم ويسهم في تقليص الخارطة الزراعية والحيوانية إلى درجة لجوء العراق إلى استيراد المنتجات الزراعية والحيوانية من دول الجوار والتي آخرها قرارات وزارة الزراعة في السماح باستيراد خمسة انواع من المنتجات الزراعية بسبب انخفاض الانتاج المحلي منها، وبالتأكيد فإن هذه الأزمة لم تحدث لولا الإجراءات غير الودية التي اقدمت عليها دول الجوار في تقليص التدفقات المائية في نهري دجلة والفرات ضاربة عرض الحائط الاتفاقات التي ابرمت معها ووعودها التي لم تكن سوى وسيلة لاستمرار تدفق بضائعها إلى السوق العراقية. فهذه الظواهر المناخية وقلة المياه أدت إلى الحاق الضرر ب 7 ملايين عراقي والنزوح الاضطراري إلى المدن بحثا عن فرص عمل، زد على ذلك أن التصحر طال 69 في المائة من الأراضي الزراعية والتي يتحول 10 في المائة منها إلى أحياء سكنية.

 إن الحكومة العراقية ولأجل تفادي المخاطر التي تهدد الأمن الغذائي مطالبة بتوخي السرعة في اتخاذ السياسات الصحيحة في معالجة هذه الأزمة المهددة بالتراكم من خلال  اتخاذا التدابر الضرورية في انتاج الحبوب من الحنطة والشعير والذرة والرز  والتخطيط المنسق لإنتاج هذه المواد وتوسيع الطاقات الخزنية لها بالإكثار من السايلوات والاهتمام الكبير في بالتكامل الصناعي الزراعي وتنشيط الصناعات التي تعتمد على الانتاج الزراعي والحيواني والعمل على تحسين الظروف المعيشية للعاملين في الصناعات الغذائية وتأمين الاستقرار الوظيفي لهم عبر تشريع قانون الضمان الاجتماعي وعدم التماهل في تفعيل دور جهاز التقييس والسيطرة النوعية بأجراء الفحوصات المنتظمة على السلع الغذائية المستوردة والتأكد من صلاحيتها للاستهلاك .

عرض مقالات: