يحتل القطاع الخاص مساحات متباينة في الاقتصاد بين قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والبناء والتشييد وصولا إلى انتاج الخدمات، ويحدد حجم هذا القطاع ودوره في مختلف الدول شكل النظام الاقتصادي السائد في أي بلد والمدارس الاقتصادية والفكرية المعتمدة، كما أن فاعلية هذا القطاع تخضع لمحددات أخرى منها مدى الاستقرار السياسي والأمني والبيئة الاستثمارية وكفاءة التخطيط وأدوات الانتاج وقربها وبعدها من مستويات التطور التكنولوجي الحديد.

   ومن المعروف أن دور القطاع الخاص في العراق قد اختلفت فاعليته ونسبة مساهمته في الانتاج المحلي الإجمالي في المراحل التاريخية منذ قيام الدولة العراقية في عام 1921 ارتباطا بالسياسات الحكومية المتبعة، فقد كان ناشطا في العهد الملكي وتراجع نسبيا في العهد الجمهوري حيث قفز القطاع الحكومي إلى الواجهة في ستينات وسبعينات القرن العشرين حتى نهاية الثمانينات بعد التحول نحو دعم القطاع الخاص لأسباب ترجع إلى تداعيات الحرب العراقية الايرانية وتدهور العديد من المشاريع الحكومية نتيجة ضعف الدعم الكومي.

  وكان من المفترض أن تفتح صفحة جديدة بعد التغيير في عام 2003 حيث الادعاء بالتوجه إلى اقتصاد السوق، إلا أن الواقع يدل على أن ما قيل عن اقتصاد السوق كان مجرد مزاعم وبالونات غايتها أيهام بعض القوى الداخلية والخارجية التي كانت تراهن على بيع المشاريع الحكومية في أسواق الخردة، فان التجربة في البناء الاقتصادي لم تشهد قطاعا حكوميا كاملا ولا قطاعا خاصة كاملا وانما هو عبارة عن اقتصاد هجين.

إن المؤشرات البيانية تشير إلى ضعف هذا القطاع وعدم تمكينه من معالجة المحنة التي يمر بها، فعلى سبيل المثال فان مساهمة القطاع الصناعي الخاص في الانتاج المحلي الاجمالي قد انخفض من 2،8 في المائة عام 2002 إلى 1،7 في عام 2008 فيما ارتفع في قطاع البناء والتشييد من 6 في المائة إلى 13 في المائة خلال نفس الفترة، أما في القطاع المصرفي وخلال الفترة ذاتها فازداد من 15 مصرفا إلى 36 مصرفا، غير أن مساهمتها لا تزيد على 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، على أن  النمو في القطاع الخاص قد تجلى في القطاع الصحي والتعليمي بسبب الاهمال الحكومي المتعمد لمؤسسات الحكومية في هذين القطاعين مع تنامي عمليات غسيل الاموال.

لقد واجه القطاع الخاص عوامل كابحة لنموه يقف في مقدمتها عجز الحكومات عن تمكينه من النهوض بدوره عن طريق الدعم المالي مما اضعفت قدرته على منافسة البضائع المستوردة عبر سياسة اغراق ممنهجة أعدت لها إدارة الاحتلال التي حددت الرسوم الكمركية ب5 في المائة على الرغم من التشريعات الحمائية اللاحقة التي وضعتها الدولة في عام 2010، كما أن السياسة المالية والسياسة النقدية قد اسهمتا ايضا في اضعاف دور هذا القطاع والبيئة الطاردة للاستثمار التي انتجتها الاوضاع السياسية والأمنية والاجراءات البيروقراطية والابتزاز التي انتجتها المؤسسات الحكومية التي تديرها قوى فاسدة آثرت مصالحها الذاتية على المصلحة الوطنية .

  إن الجدية في تمكين القطاع الخاص لكي يلعب دوره الحقيقي في إنعاش الاقتصاد الوطني إلى جانب القطاع الحكومي يتطلب رسم سياسة اقتصادية جديدة تاخذ في الاعتبار ما يلي:

  1. تفعيل استراتيجية خطة التنمية لتطوير القطاع الخاص للسنوات 2014--- 2030 من خلال ربطها بالخطط الخمسية ودعمها بتشريعات قانونية ملزمة من أجل تخليصها من دائرة الإهمال واتباع نهج لامركزية التنفيذ لكي تؤدي دورها في إنشاء وتطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتحسين بيئة الاعمال.
  2. إعادة النظر بالسياستين المالية والنقدية بغية توفير التخصيصات المالية في الموازنات السنوية وفي ذات الوقت قيام الجهاز المصرفي وخاصة المصرف الصناعي بتقديم التسهيلات الائتمانية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وتقديم الدعم للمشاريع القائمة والمتلكئة من أجل تحريكها ووضعها في دائرة الانتاج.
  3. تقديم الدعم الحكومي عبر السلك الدبلوماسي في البحث عن أسواق للمنتج الوطني في الخارج وإصدار التوجيهات الحكومية الملزمة لكافة وزارات الدولة لإبرام العقود مع مشاريع القطاع الخاص وشراء منتجاتها.
عرض مقالات: