عاد الحديث مجددا هذه الأيام عن هيبة الدولة وأهميتها وضرورة الحفاظ عليها وتمكينها. ويلقي البعض باللوم على بعض آخر في ما وصلت اليه الأمور من بهدلة، تكاد تذكّر بحال الامبراطوية العثمانية في أواخر أيامها، وما انتابها من ضعف جعلها لا تهش ولاتنش حتى غدت موضع طمع الاخرين فيها، بل وصراعاتهم على تركتها التي كانت هائلة.

الدستور العراقي النافذ حدد الصلاحيات والمسؤوليات، ولكن في كثير من الحالات لا يجري تشاور او تنسيق، فنشهد تعددا لمراكز القرار ليس في قضايا إجرائية يمكن التغاضي عنها وتجاوزها، بل في قضايا خطيرة تتعلق بأمن البلد والقرار العسكري – الأمني الذي تتنازعه جهات عدة، بينها خارجية بامتياز وعلى نحو مباشر او غير مباشر. وقد لمسنا مثل هذه الفوضى كذلك في التمثيل الخارجي، ومنه حضور العراق في مؤتمرات واجتماعات  عربية وإقليمية ودولية، بل وجرى التنافس حتى عند تقديم واجب العزاء بوفاة هذا الرئيس او ذاك الملك .

وأشارت جهات رسمية في القضاء والنزاهة اكثر من مرة في تصريحات وتقارير، الى ان  ما تتخذه من إجراءات وقرارات على محدوديته لا ينفذ، بسبب عدم رغبة او قدرة او بفعل تردد اوخوف  او ضعف، او انه موقف للمنظومة السياسية الحاكمة ذاتها.

ومن مظاهر وهن وضعف دولتنا هذا التدخل الاجنبي الفظ في شؤونها، والذي ينهال من كل حدب وصوب، وعلى حد  قول احد النواب ربما كان حتى للصومال (البلد الممزق والمعروف بتعدد مراكز القرار فيه) اذرع في العراق!

وتأخذ التدخلات اشكالا متعددة، منها ما له علاقة حتى باختيار حكام البلد ومسؤوليه، وبعضها سافر يعتمد القوة العسكرية الغاشمة، وآخر يلجا الى القوة الناعمة عبر اذرعه المبثوثة في كل مكان، ومنها ما يضيق الخناق اقتصاديا على البلد او يحرمه من مورد طبيعي، مثلما يجري من حرمان العراق من حصة عادلة  في نهري دجلة والفرات وروافدهما.

لم اطلع شخصيا على أي استبيان للرأي (قد يكون موجودا) بشأن مدى شعور المواطن العراقي بالأمان؟ وطبعا قد تتفاوت الاجابة من محافظة ومنطقة الى أخرى، لكن هناك يقينا قويا بان الغالبية لا تشعر بالأمان الشخصي، وهذا مؤشر آخر على مدى عدم الثقة في اداء مؤسسات الدولة، المدنية والعسكرية والأمنية، لواجباتها وحماية المواطن وممتلكاته.

وفِي هذا السياق فان النزاعات العشائرية واستخدام مختلف أنواع الأسلحة فيها، وعدم قدرة التشكيلات العسكرية والأمنية على مجرد الوصول الى مناطق نزاعاتها ، تشكل مظهرا صارخ لحالة الفلتان، التي لا يتجاوزها الا السلاح “ المنظم “ في ايدي جماعات وفئات متمردة  على الدولة وعلى مؤسساتها وقوانينها ودستورها، ومنها أحزاب وكتل سياسية ذات تمثيل في البرلمان، في تناقض ندر مثيله في العالم .

كل هذا وغيره مما له صلة أيضا بتأمين قوت الناس وعيشهم الكريم، وتوفير قدر من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وعدم التمييز بين العراقيين، وضمان حق الناس في الحياة والتعبير عن الرأي وفي الفكر والمعتقد، هو من مرادفات هيبة الدولة وقدرتها على فرض القانون والنظام .

وتجارب الشعوب تقول ان هذا لا يتحقق الا بنضال صبور وتضحيات، وببناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنة والعدالة، وبعزل قوى الظلام والجريمة  واللادولة .

عرض مقالات: