حلت الجمعة الماضية، الأول من تشرين الأول، الذكرى الثانية لانتفاضة شعبنا الباسلة. واحياء لذكراها، وتمجيدا لشهدائها الابرار، التقت “طريق الشعب” مع الرفيق رائد فهمي، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، وحاورته بشان الانتفاضة، أسباب انطلاقتها، ماحققته وما أحدثته من ارتدادات على مختلف الصعد، وآفاق الحركة الاحتجاجية، ومواقف الحزب منها.

في ما يأتي نص الحوار:

سؤال: الحزب الشيوعي العراقي حذر في وقت مبكر من خطورة حالة الاستعصاء، ومن حالات الشعور بالاحباط التي قد تدفع الى اعمال تفوق التوقعات. افليس هذا ما حصل فعلا في تشرين 2019؟

رائد فهمي : اولا علينا ان نضع انتفاضة تشرين في سياقها الزمني والتاريخي القريب، فهي لم تأت فقط نتيجة التطورات المتلاحقة حتى عام 2019، حيث لا يمكن عزلها عما حدث قبلها خلال السنوات السابقة بشكل خاص، فيما يتعلق بحركة الاحتجاج وابرز محطاتها في اعوام 2011 و 2013 و2015 وما بعدها. وهي جاءت ضمن هذا السياق. بأي معنى؟ جاءت حركة الاحتجاج التي انفجرت في 2019 صورة مضخمة واكثر اتساعا من سابقاتها، ولكن ليس بمعزل عن سابقاتها. كما انها عكست امورا معينة ، فأولا ارتبطت بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلد. ذلك انه بعد السقوط كانت الاتجاهات السائدة هي اتجاهات الهوية والتأكيد على الطائفية، وحتى الانقسامات والتبلورات السياسية التي كانت قائمة. وكانت الاحزاب الاساسية التي هيمنت على الساحة تتصارع انطلاقا من هويات ، هذا ينطلق من هويته الدينية الشيعية وهذا من هويته السنية والاخر من الكردية الخ .. لكن عندما جاءت سنة 2011 طرحت بعض المشاكل وبعض القضايا من منظور اخر، طرحت قضايا ذات بعد سياسي ومجتمعي واقتصادي عابر للطوائف، وليست منطلقة من مشاكل طائفية ومصالح طائفية. كانت احتجاجات 2011 رد فعل على أزمة  الخدمات، وارتبطت بها لاحقا قضية الفساد، وبعدها تعمق البعد السياسي نتيجة موقف السلطة ازاء الحراكات التي قمعت، وكان ذلك موقفا حادا وشديدا جدا. وحركة 2011 كانت لديها قواها المحركة ايضا، التي لم تكن بمعزل عن القوى المحركة التي جاءت لاحقا. ولاحظنا ايضا ان للشباب حضورا كبيرا خاصة الشباب من أوساط شعبية. ولكن ليس فقط من الفئات الشعبية انما من فئات مثقفة وفئات الخريجين والفئات الوسطى. كان هناك البعد الاجتماعي الممتد افقيا، حيث الاوساط المتضررة من الوضع بشكل اساسي. وبدأت تبرز ملامح الخطاب الاخر المناهض للطائفية، بدأ يبرز بشعاراته ومواقفه، وهذا ما اعتقد انه نشّط وعيا جديدا ، كما قدم من جانب اخر تجربة ومثالا ملهما في كيفية المطالبة بالحقوق، والتعبير عن الاحتجاج، وبالتالي شكل رسالة ربما للحراك الاخر، فالمشاكل قائمة وبدأت تبرز اكثر فأكثر قوى مجتمعية وجماعات تعبر عن رفضها وتعبر عن احتجاجها بأشكال جماهيرية من خلال النزول الى الشارع. وانا اعتقد انها اختزنت وقد استندت اليها التجارب اللاحقة: تجربة 2015 كانت اكبر وعدد المشاركين فيها  كان  واسعا جدا.

وفي لحظات معينة بين 2015 و2016 جاءت فترات شارك فيها مئات الآلاف، واتسمت بالدورية المنضبطة والمنظمة كل اسبوع، كما ان المطالب تكررت ومعها قضايا الخدمات والفساد، والتقت بالمطالب السياسية، بمعنى انه بدأ تحميل منظومة المحاصصة المسؤولية، وبدأ الحديث اكثر مما في السابق عن الرموز السياسية، وكان الشعار الكبير انذاك يتعلق بالقاء المسؤولية على استخدام الدين لاغراض سياسية، وكان الابرز في الشعارات شعار “باسم الدين باكَونه الحرامية”. كانت فيه دلالة كبيرة، فهو لم يكن موجها ضد الدين بقدر ما كان موجها ضد المنظومة التي تستغل الدين، وهذا كان يؤشر درجة اعلى من الوعي، كما كان يشكل اغناء في مضامينه السياسية. وكل هذا كان يأتي ارتباطا وانعكاسا للازمات التي اشرت اليها، وقد اثبتت منظومة المحاصصة ونهج المحاصصة عجزهما عن تقديم حلول لأية مشكلة من المشاكل الحقيقية، لا بل حدث امعان في نهب الاموال العامة ، وتمادي في تكريس وجمع الثروات لدى قطب مجتمع على حساب الاقطاب الاخرى، وبدأت تبرز مشاكل العدالة الاجتماعية وغيرها من الامور، اضافة الى القضايا الاخرى. وهكذا عندما اندلعت في 2019، اندلعت بمطالب مشابهة، وايضا كان الموضوع السياسي قد كبر واشتد واتسع، وتصاعدت المشاركة الجماهيرية الغاضبة. ونتذكر كيف تعاملت السلطات مع هذه الجماهير واطلقت الاتهام بالمؤامرة الخارجية واستخدمت العنف. فالجماهير لم تكتف بالقضايا المطلبية ولم تكتف قضايا سياسية عامة واجتماعية، وانما ارتفع البعد السياسي وبدأت المطالب تنتقل الى ما يتعلق بازاحة منظومة المحاصصة، والدعوة للتغيير، وايضا طرحت قضية الانتخابات المبكرة باعتبارها رافعة للتغيير .

سؤال: هذا التصاعد الذي ذكرته وصل الى شعار “نريد وطن” ، فمن الواضح انه كان هناك نوعا من الاستلاب؟

رائد فهمي: شعار “نريد وطن”، كثف عمليا كل هذا المطالب. ماذا يقصدون بـ “نريد وطن”؟ هم يريدون وطنا يؤمن لهم ولابنائهم العيش الكريم والكرامة والحرية الحقيقية، وليس فقط الحرية الدستورية. تعرضوا الى انتهاك الحريات وضرب حقوقهم في الاحتجاج وتعرضوا الى حملة شرسة.  شعار “نريد وطن” عمليا يلخص كل هذه المطالب، التي تعني التطلع الى وطن بلا فساد، وطن بلا هيمنة من قبل فئات معينة على حساب فئات اخرى، وتعني توزيعا افضل في اطار العدالة الاجتماعية. كذلك تأمين السيادة الوطنية بعيدا عن الخضوع للارادات الخارجية. كل هذه المواضيع جسدها شعار “نريد وطن”. وكانت المشاركة ايضا واسعة ليس فقط من ناحية التكوينات المجتمعية المختلفة، حيث بقي بارزا تأثير الفئات الاكثر تضررا ، وكان حضور النساء مهما جدا، وبالتالي نتحدث عن ظواهر وتعبيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية مهمة جدا.

سؤال: انتفاضة تشرين تعتبر من الاحداث البارزة في تاريخ العراق ، وقد ذكر الحزب في بيانات ومواقف كثيرة ان ما بعد تشرين لن يكون كما قبلها. فماذا ترك تشرين من ارتدادات في واقع بلدنا على الصعد المختلفة؟

رائد فهمي: هذا صحيح، وليس حزبنا وحده من قال هذا، بل حتى جهات اخرى واوساط عديدة اجتماعية وسياسية قالت ان هذا منعطف كبير، ويصعب ان نعيد الامور كما كانت قبل الآن.

لكن لماذا نقول هذا الكلام؟

اولا هناك الاتساع الكبير للمشاركة في الاحتجاجات، واذا وضعنا بغداد والمحافظات في حسابنا فاعتقد ان العدد تجاوز الملايين، ونحن نعرف ان الذين يشاركون وينزلون الى ساحات الاحتجاج هم العناصر الاكثر استعدادا للعمل الاكثر وعيا والاكثر اندفاعا، بمعنى ان خلف هؤلاء ملايين ممن يساندونهم ويتعاطفون معهم، ذلك ان الحركة الاحتجاجية خرجت من رحم المجتمع وبالتالي هي ليست قضية حزب سياسي او مجموعة سياسية او فئات معينة، بل هي قضية شعبية بكل معنى الكلمة، قضية فئات الشعب التي تفتقر الى الكثير، الفئات الكادحة او الفئات التي تدخل ضمان القطاع المهمش، وأوساط كثيرة من الفئات الوسطى ايضا. فهو واقع مجتمعي كبير، والرسالة قوية جدا في طريقة طرحها: اولا الشعارات قوية وتدعو الى التغيير والى محاربة الفساد والى معاقبة القتلة والى السيادة الوطنية وغير ذلك. كذلك نشير الى ان هذه الشعارات كانت خلفها ارادة هي على درجة من القوة والعنفوان بحيث برهنت على استعدادها لتقديم مئات الشهداء والآلاف المؤلفة ممن تعرضوا للاصابة وللملاحقة والتغييب وغيره .. بمعنى ان رافعي هذه المطالب عبدوا الطريق بالدم، وليس دم شخص واحد او اثنين او ثلاثة، فنحن  نتحدث عن مئات الشهداء واكثرهم شباب ابرياء. فمن الصعب عليك اليوم ان تمسح كل هذا من الذاكرة الشعبية، او تمسح تأثيراته او ارتداداته. لذلك فرضت هذه المطالب على حكومة عادل عبد المهدي ان تستقيل، وفرضت قضية تغيير قانون الانتخابات بغض النظر عن ملاحظاتنا على القانون الجديد. وفرضت تغيير المفوضية، وفرضت ايضا قضية الانتخابات المبكرة، وارتدادات ذلك كله.

هذه التغييرات التي حدثت، وحتى قسم منها بعد ان انحسر تأثير الانتفاضة بحكم الزمن وجملة من العوامل، لا توجد قوة سياسية حتى وان كانت الحكومة التي تتحدث عن اجراءات وتتحدث عن خطوات، تقدر على اهمالها او ان تتغافل عن المطالب الاساسية التي رفعتها الانتفاضة. المطالب التي لا تزال حاضرة لغاية اليوم، والحكومة تحاول التأكيد انها تريد محاربة الفساد، وتريد اجراء انتخابات حرة، وانها تريد تعزيز الاستقلال الوطني. وبغض النظر عما تحقق من نجاح فان هذه القضايا تفرض نفسها على جدول الاعمال، فهي قضايا لا يستطيع تجاهلها اي من القوى السياسية، وبقدر ما تحقق اية حكومة واية جهة تنفيذية من تقدم في معالجة هذه القضايا، تكون  قادرة على ان تستعيد ثقة المواطن وثقة الشعب.

الحركة الوطنية لشعبنا في الثلاثينات والاربعينات والخمسينات من القرن الماضي قادت انتفاضات ومظاهرات سقط فيها شهداء كثيرون. وحين وقع التغيير في النهاية بانفجار ثورة 14 تموز 1958 فانه لم يأت بمعزل عن تلك النضالات. واليوم نحن لا نريد ان تأخذ الامور منحى غير سلمي، نحن نقول وهذه نقطة مهمة جدا وقد قالتها الانتفاضة عندما طرحت مطلب الانتخابات المبكرة ، وطرحتها على اساس الطريق السلمي الديمقراطي لتحقيق المطالب. وبقدر ما تفشل الحكومات في تحقيق المطالب، مثل مطلب محاسبة القتلة وقضية السلاح المنفلت، فلا يمكن الحديث عن الحرية ، حرية الناخب او حرية المرشح في ظل وجود السلاح، لان السلاح وظيفته التخويف حتى وان لم يستخدم، واليوم نحن نعرف انه في الكثير من المحتشدات السكانية والمناطق كثيفة السكان توجد جماعات مسلحة، وانا اقول وبكل ثقة ان الناخب في تلك المناطق يقع تحت تهديد هذه العوامل جميعا. قد لا يهدد بشكل مباشر، لكنه مقيد ولا يسمح له ان يخرج عن حدود معينة في عملية التصويت، فضلا عن ان المرشح الذي يطرح برنامجا ويكون له مشروع وآراء مخالفة لآراء القوى المسيطرة في المناطق التي يرشح فيها، غير قادر بتقديري على ان يخوض العملية الانتخابية وان يخوض حملته الانتخابية كما ينبغي.

اليوم هناك قوى معروف أنها قوى مسلحة قدمت مرشحين، ودعنا نكون واضحين في القول انه لا يمكن ان تتكافأ جهة سياسية معينة تمتلك كل هذه الامور: المال والسلاح والاعلام، وتقول انها انتخابات حرة ونزيهة تفسح المجال لعكس الرأي العام. ان القضايا التي طرحتها الانتفاضة وطالبت من اجلها بانتخابات مبكرة تعكس الارادة الشعبية التي جسدها من نزلوا الى الساحات ومن أيدوهم رغم عدم المشاركة المباشرة، وهذه القضية لغاية الان حاضرة وانا اعتقد ان ما طالب به المنتفضون غير متوفر وغير متحقق.

سؤال: هل من الممكن ان نتحدث عن طبيعة القوى المشاركة في الانتفاضة وبعدها الجماهيري؟

رائد فهمي: هذه الاحتجاجات وربما بشكل اكبر احتجاجات 2019، والحركات التي قامت بها والتي هي ليست احزابا كما كان الحال في التاريخ العراقي السابق، هذه انطلقت من حركات اجتماعية بمعنى قوى اجتماعية مختلفة، وقلنا انها شملت اوساطا يغلب عليها طابع الشباب، وثانيا هي من فئات مسحوقة ومهمشة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ولكن هناك فئات من الممكن ان تدرج ضمن الفئات الوسطى، من خريجين يبحثون عن فرص عمل، واصحاب الشهادات العليا ايضا كانوا حاضرين، كما كانت هناك مطالب خاصة لجماعات مختلفة، بمعنى شعارات واحتجاجات تطالب بالاجور والخدمات وغيرها .. وهناك ايضا قوى سياسية ومنظمات مجتمعية شاركت، اذن هذه هي التركيبة وطبيعة الجماعات التي شاركت، فهي جماعات متنوعة.

ثانيا : نتيجة هذا الطابع الجماهيري فهي ايضا تتباين وليس فيها مركز قرار، وليست لديها اشكال تنظيمية ثابتة، وليست فيها هرمية، ومطالبها متنوعة. وهذا امر فيه عناصر قوة وعناصرضعف، قوة من حيث انها امتدت الى مفاصل في المجتمع لم تمتد اليها سابقا، وهذه نقطة قوة من الناحية الجماهيرية. ونقطة الضعف تكمن في عدم وجود نوع من المركزية، عدم وجود نوع من صناعة القرار الموحد، وهناك ميل نحو العفوية.

وهذا بالتأكيد انعكس لاحقا في ما حققته وما لم تحققه الانتفاضة، وكانت هناك ثغرات استفادت منها القوى المسيطرة في النفاذ اليها واضعافها وتفكيكها والى اخره من الامور. هذا من الناحية التنظيمية ، أما من ناحية المحتوى الاجتماعي فقد قلت انها كانت فئات مجتمعية واسعة جدا، فالناس اليوم تتذمر بسبب البطالة وبسبب الاستئثار بالسلطة والثروة، وقاعدة السلطة بدأت تضيق، وانحسر تأثير الاحزاب المتنفذة، وصار لدينا نوع من حكم القلة. ثم ان الفساد الى جانب دوره التخريبي في عملية تقديم الخدمات وفي الجوانب المختلفة الاجتماعية والاقتصادية والمهنية، الفساد هو ايضا عنصر ضمن آليات اعادة توزيع الثروة ومركزتها عند الفاسدين.

 ما هو الفساد؟ هو ان تأخذ من حصة الاخر ولا تقدم في المقابل انتاجا اجتماعيا. فالفاسد اما ان يستأثر بالمال العام وهذا المال العام مخصص للمجتمع اما عن طريق رواتب واجور او عن طريق خدمات او عندما تفرض الرشاوى على المواطن المراجع والرشوة هي انتقال المال من شخص الى اخر وعمليا هي مثل الضريبة ولكن بدل ان تذهب للدولة تذهب للجيوب الخاصة. اذن هذه العمليات عندما بقيت مستمرة على مدى 17 سنة وبدأت تتطور وتتحول الى منظومات منظمة، وفي كثير من الاحيان اقوى من الدولة ، اشتدت عملية الاستقطاب في الدخل والثروة والفجوة الهائلة المتنامية وكل ما يترتب عليها من الشعور بالتهميش. وهذا بدأ يولد الضغط وهو احد العناصر الاساسية المحركة التي ربما تفسر سبب استمرار هذه الاحتجاجات، رغم ان البعد الجماهيري انحسر، فلغاية الان توجد الجماعات التي خاضت الاحتجاجات وهي لا تزال تنشط بحدود معينة. ولابد من القول هنا انه لا يمكن الحديث عن استقرار في العراق ، وانت تدفع يوميا في المجتمع اوساطا متنامية الى ما تحت خط الفقر، او تدفع بهم الى احضان الامية، او تهمشهم في مجالات معينة وتمنع عنهم ابسط الخدمات. كيف لنا  ان نتوقع تحقيق الاستقرار السياسي في اوضاع كهذه؟

من المفترض ان يكون هناك رضا مجتمعي وهذا غير موجود. لذلك فنحن اليوم عندما نتحدث عن أزمة بنيوية في البلد، ندرك انها لم تعد أزمة مرتبطة بأشخاص رغم ان الاشخاص هم جزء من الازمة. وهذه مشكلتنا في الانتخابات اليوم، وملاحظتنا ان البلد في أزمة عميقة تتطلب معالجة بتغيير في النهج السياسي ، تتطلب تغييرا كبيرا في التوجهات والسياسات الاجتماعية  المعتمدة لمواجهة عمليات الاستئثار بالدخل والثروة من قبل فئات معينة، وتوجيه الموارد نحو اهداف تنموية بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي.

 في ظل هذه المنظومة الحاكمة لا يمكن تحقيق ذلك، نظرا لتأسيس وترسيخ مصالح اطرافها، فصارت لديهم شبكات لا ترتبط فقط بالمواقع الحكومية التنفيذية. اليوم في هيكل الدولة، في بناء الجهاز البيروقراطي للدولة، صار هناك تعشيق بين منظومة الفساد ومنظومة الاحزاب السياسية، ونتيجة للزبائنية التي اعتمدوها والتي ادت الى تضخم الدولة وترهل أجهزتها، ظهرت هذه التشابكات. لذلك نقول اليوم ان المطلوب هو التغيير، وهذا التغيير المطلوب لا يمكن ان يحدث الا اذا كانت هناك انتخابات حرة حقا ونزيهة حقا وشفافة حقا، وتعكس الارادة الشعبية.

في ظل وجود السلاح، وفي ظل عدم محاسبة الفاسدين وقطع دابرهم، اضافة الى الآليات الانتخابية  والمال السياسي الذي يستخدم بدون ضوابط، اضافة الى عدم تطبيق قانون الاحزاب .. كل هذه العوامل تمنع  وتحول دون ان تلعب الانتخابات هذا الدور. وهذا يفسر لنا العزوف الكبير للناس عن المشاركة في الانتخابات. واليوم ايضا فان الكثير من القوى المتنفذة المسؤولة عما آل اليه الوضع، مرشحة لان تمسك مرة اخرى بزمام الامور، وهي بالفعل تطلق الوعود وتعلن البرامج وغير ذلك .. لكن كيف يمكن الثقة بهذه الوعود واصحابها لديهم مصالحهم المرتبطة باستمرار هيمنتهم على هذه المفاصل؟ وقبل هذا: لماذا هي تطلق الوعود ما دامت الان ماسكة بزمام السلطة؟ لماذا لا تحقق هذه الوعود الان اذا كانت صادقة فيها؟ لذلك اقول ان الانتفاضة رفضت كل هذا، وبالتالي كل ما تم لاجل احباطها وتقييدها وجملة من الامور الاخرى، لكن كل هذه القضايا التي اثارتها الانتفاضة لا تزال حاضرة، وبالتالي اعتقد ان الانتفاضة أشرت منعطفا في الحياة السياسية.

اذن هذه العملية السياسية هي التي قادت الى الانسدادات الحالية. وليس بامكانها ان تستمر في ظل نفس البناء والتكوين الحاليين، القائمين على المحاصصة وعلى استئثار القلة .

سؤال: الرسالة التي اطلقتها انتفاضة تشرين، هل وصلت الى منظومة المحاصصة وقوى الفساد؟

رائد فهمي: علينا ان نكون واضحين، هذه المنظومة كانت في حالة رعب من الزخم الجماهيري ومطالبه ومن سعة الاحتجاجات، لذلك نلاحظ من ناحية الخطاب لم يستطع احد منهم ان يشكك في عدالة وشرعية المطالب، ولنتذكر استقالة حكومة عادل عبد المهدي، التي اضطرت هذه القوى لازاحتها، كذلك عندما جاءت حكومة الكاظمي وبرنامجها الوزاري الذي نال الموافقة رغم ان الكثير من نقاطه ترجم المطالب التي كانت قد طرحتها الانتفاضة. فهل هم كانوا جادين؟ بالتأكيد لا، وحتى البرنامج الحكومي الذي صوتوا لمصلحته لم يسعوا لتحقيقه، ولم يساعدوا الحكومة بغض النظر عن مدى جديتها في تنفيذ البرنامج. لقد كانت هذه- القوى في الاقل عنصرا معرقلا وليس مؤيدا لها.

الرسالة وصلت ليس فقط بالمعنى الذي أرادته تشرين، انما وصلت اليهم فوق هذا رسالة مفادها أن الكثير من مرتكزات قوتهم السابقة لم تعد قائمة ، وادركوا ان هناك هوة بينهم وبين هذا الشعب، وبينهم وبين من يدعون تمثيلهم، وان الكثير من رموزهم وخطابهم الذي كانت له هيبة معينة وبعض الاحيان قدسية معينة، ان كل هذا قد انكسر. اذن تشرين كسرت الكثير من القوالب الفكرية ، وبالتالي حصل تغيير جوهري في كل المعادلات السياسية، فالشعب اليوم اصبح حاضرا حتى عندما لا يوجد له تمثيل مجسد، وهو حاضر في كل مداولات هذه القوى، وهم ايضا يشعرون ان الارض تحتهم اصبحت مهزوزة، وبالتالي نلاحظ ان عمليات الاحتجاج التي حدثت منذ 2011 ولغاية الان رافقها مسار اخر. فهذه المنظومة القائمة على الاحزاب الطائفية والقائمة على تأسيس الهوية سواء الدينية او القومية، هذه الاحزاب التي خاضت الانتخابات الاولى بعد 2003 بقوائم موحدة، قائمة تخص الشيعة وقائمة تخص السنة، اليوم جميعها خضعت الى انقسامات، وهي لغاية هذه اللحظة تتعرض لانقسامات. وهذا ايضا يعبر عن مأزق سياسات الهوية، وهذا المأزق وجد تعبيراته المختلفة مع محاولاتهم للخروج منه، أولا عبر تغيير الاسماء، ومن ثم في برامجهم ومحاولاتهم ان يضمنوها شيئا من برامج ومطالب تشرين، وهم في الواقع يريدون افراغها من محتواها. فهي اذن محاولات لتغيير خطابهم ومحاولات لتغيير جلودهم. لكن الجوهر يبقى على حاله، لذلك نقول ان الواقع السياسي العراقي وعملياته اليوم ككل، وبغض النظر عن تذبذباتها، لها مسار واضح، وان النهج السياسي المعتمد والقائم على سياسات الطائفية والاحزاب المؤسسة على الهوية، مضطر الآن الى التراجع. لكنه يتشبث ويحاول ان يقدم بعض الاصلاحات، علما ان هذا التشبث يأتي بثمن مزيد من الازمات ومزيد من المتاعب.

سؤال: لنتحدث ايضا عن بسالة المنتفضين في تشرين، الشباب الذين خرجوا في اول تشرين، وفي يومهم الاول المذكور يسقط عشرات الشهداء، ومنذ اول تشرين حتى 25 منه، يثبتون اقدامهم في الساحة بالرغم من القنص المباشر والتصويب المتعمد في الرأس. حينها تصاعدت بسالة المنتفضين وعزيمتهم واصرارهم على فرض مطالبهم. فكيف تعاملت معهم السلطات والقوى المتنفذة؟

رائد فهمي : في البداية كانت السلطة مسكونة بفكرة كونها مؤامرة خارجية. الشباب خرجوا في اول تشرين بمطالب مشروعة، فقابلوهم بالحديد والنار، بالقتل وسفك الدماء. وكانوا يعتقدون ان هذا سيشيع اجواء من الخوف والتراجع، لكن كانت النتيجة معاكسة تماما. على العكس اقتنع هؤلاء الشباب عميقا بانهم خرجوا من اجل قضية عادلة، فلماذا يواجهونهم بالقتل، ولماذا يطعنون في وطنيتهم، ويكيلون لهم التهم الباطلة ويخوّنونهم. على مستوى الافراد والجموع جاء رد الفعل مؤججا فيهم روح التمرد السلمي. تمردوا على الظلم وعلى الفساد، لكن برؤية ناضجة جدا، وكان هناك بعد وطني عابر للهويات، ومنفتح على التنوع المجتمعي، وكانت هناك الدعوة للسلام رغم كل ذلك القمع. نعم حصلت هنا وهناك محاولات من هذا الطرف او ذاك، وفي الغالب كانت هناك علامات استفهام حول مصدرها، ولكن الاساس كان سلميا، الصمود كان سلميا بالغ الشجاعة. وهذا ربما كرس واضاف بعدا اخر وعمقا اخر لهذه المطالب، التي اصحبت عنصرا محفزا ومغذيا لاستمرار رفع المطالب ذاتها. لذلك فان الحكومة وجهات اخرى خارجها ربما كانت هي اكثر من وجد في ذلك خطورة ، خطورة على منظومة المحاصصة وخطورة على نهج الطائفية، اضافة الى مشروعهم الفكري والسياسي ومشروعية ادعائهم تمثيل مذهب. وفي تقديري ان كل ذلك عندما تعاملوا معه بالدم والعنف، فقد كرسوا القناعات بصورة اكبر، فتعمقت الفجوة وبالتالي  تبخرت تماما الثقة او متبقيات الثقة بالمنظومة الحاكمة الماسكة بزمام الامور.

لهذا اعتقد بشأن قضية التغيير، ان هذه الجماهير الواسعة تشعر في داخلها انها اسقطت الاطراف الحاكمة ولا يمكن ان تستمع الى خطابها، واذا ارادت هذه الاطراف ان تتفاعل مع شيء، فلتتفاعل مع الحقائق على الارض.

سؤال: التنوع الذي طرحته تشرين والمنتفضون في تشرين، هل ان القوى المتنفذة تتضرر فعلا من القبول به؟

رائد فهمي: في الحقيقة يوجد خطاب ويوجد فعل. هذه القوى واحزابها قائمة على الهوية واي تسييس للهوية هو عمليا تمييز عن الهوية الاخرى، وهذا ينطبق على جميع الاحزاب. كل حزب ينطلق من تسييس هوية ما، وهذه الهوية عندما تعطيها العلوية والتفوق على الاخرين تميزها عمليا عن الاخرين. وعندما نقول القبول بالتنوع فان معناه القبول بالمساواة والتكافؤ. وهم ايضا يقولون بقبول الآخر، لكن هل فعلا هم تجاوزا مسألة التراتبية في التعامل مع الاوساط الاخرى؟ والتعامل ليس بالخطاب ، التعامل بالقانون والتشريع .

تشرين قدمت تنوعا حقيقيا، مساواة حقيقية، رغم ان المشاركين بتشرين هم في اغلبيتهم من الوسط والجنوب ، فانهم بخطابهم وبممارساتهم كانوا يلقون تجاوبا كبيرا من كل المناطق بكل التنوع العراقي.

وهناك شيء اخر هو الموقف من المرأة، فقد لاحظنا ان المرأة العراقية والفتاة العراقية كانت حاضرة بقوة في هذه الاحتجاجات، وهي احتجاجات جماهيرية والكثير من الشباب قادمون من أوساط شعبية، لكن رغم كل ذلك كانت ظواهر التحرش في اقل ما يمكن. وهذه نقطة بليغة جدا، اريد ان اشير الى ان هذه الحركات الاحتجاجية في كل مراحلها أفرزت فنا وأدبا ، فن وأدب الاحتجاج، حيث لاحظنا البوستر والنشيد والاغنية والكاريكاتير، وكل هذا تطور بروح ابداعية، والادب والفن لغة مشتركة، لغة كونية.

اذن دعوات ومواقف الانتفاضة لم تكن سطحية، بل كانت لها مرتكزات ومكونات قوية تعزز هذا التنوع، وبالتالي فان تشرين وكل مراحل الاحتجاج هي حاملةٌ لمشروع عراقي وطني كبير، حاملة لثقافة وطنية عابرة لا تلغي الخصوصيات، بل على العكس تعززها لكنها تتعامل مع كل الخصوصيات ، وهذه يجب ان تصبح القيم السائدة والقيم المتبناة، والتي تأخذ طريقها على صعيد التشريع والتنفيذ، فهي التي تؤسس لاستقرار حقيقي في البلد.

سؤال: بعد سنتين من اندلاع الانتفاضة ما زلنا نتحدث الى هذه اللحظة عن قتلة طلقاء، لم يتم القبض عليهم، فهل حقا لا تستطيع الحكومة كشف هؤلاء القتلة ومن يقف خلفهم، وهل هناك فعلا طرف ثالث؟

رائد فهمي: الحكومة تعلم، والقتلة معروفين، واعتقد ان تصريحات جاءت على لسان كبار المسؤولين بأن القتلة معروفين، والحكومة اتخذت اجراءات بحق بعض المنفذين، لكن المشكلة في من يقف وراء المنفذين ومن يسندهم. ومن الواضح ان معظم علميات الاغتيال هي عمليات اغتيال سياسي، وتقف وراءها جماعات سياسية وربما مسلحة ايضا. وبالتالي فالحكومة عندما تريد ان تلاحق هؤلاء، فأما تكتفي بالمنفذين المباشرين وفي كثير من الاحيان هؤلاء المنفذون هاربون، مشخصون لكنهم خارج البلد، واذا اردت الامساك بهم فعليك ان تكتفي بمحاسبتهم دون المضي نحو محاسبة من يقف خلفهم. فاذا اردت ان تحاسب من يقف خلفهم فستصطدم بالجماعات التي تمتلك السلاح وتمتلك القوة، والحكومة تشير دائما الى أن هذا الامر قد يؤدي الى مواجهات عسكرية. اذن اليوم نحن نواجه قضية القتلة، وهي ليست جريمة جنائية فقط انما جريمة سياسية ، لذلك أذا أردت ان تعالج هذا الملف فعليك ان تعالجه بالترابط مع الجوانب الاخرى، اي مع موضوع حصر السلاح بيد الدولة، وان تكون مؤسساته العسكرية والامنية خاضعة لادارة واحدة ولفلسفة وعقيدة واحدة ووطنية. والآن الدولة التي تسمى الدولة العميقة تمسك بكثير من المفاتيح،  وفي بعض الاحيان هي أقوى من الدولة العلنية، اذن ملف الفساد وملف كشف القتلة وملف حصر السلاح، كل هذه الملفات تبدو مترابطة ومترابطة حتى مع مسألة استقلال الرأي العراقي وكل القرارات الوطنية، فالحكومة معروفة ما هي قاعدتها السياسية، وكم تمتلك من عناصر قوة. فهي ضمن هؤلاء اللاعبين الكبار، هي أحد هؤلاء اللاعبين وربما ليست اللاعب الاقوى. القضية بنيوية، والسؤال الآن: كم استعانت الحكومة بالغضب الشعبي وبالاحتجاج الشعبي الذي يشكل عنصرا ضاغطا وبالغ القوة، كم استعانت به وتوفقت معه؟ بحيث تكف عن محاولة تمرير مشاريعها من خلال التوافق فقط ومن خلال التفاوض مع هذه الاطراف، وهي كطرف غير قادرة على حسم الامور، ومن الواضح جدا ان هناك سقفا لا تقدر ان تصل اليه. أما لو عشّقت ونسقت هذا مع ذاك  فلربما حدثت أمور بشكل آخر. لذلك نقول ان قضايا التغيير لا تكمن في تغيير عدد من النواب، فحتى وان وصل افضل النواب الى البرلمان، فماذا باستطاعتهم ان يفعلوا؟

ليس باستطاعتهم ان يغيروا الا اذا كان هناك امتداد مع عنصر القوة المواجه لمنظومة المحاصصة، وهو الضغط الشعبي، هو هذه الجموع الكبيرة التي تعاني من الصعوبات والتهميش ومن الجوع والفقر والبطالة والجهل الخ .

تلك هي المعادلة الكبرى التي نتوجه اليها مستقبلا، معادلة توحيد مسارات القوى التي تنشد التغيير، سواء كانت قوى مجتمعية او قوى تستطيع الوصول الى مواقع في السلطة. بدون هذا لا يمكن القيام بشيء.

سؤال: هي لم تكن الفرصة الاولى، اذا عدنا بالتاريخ الى 2011 حين كانت احتجاجات تخص الخدمات ومجالس المحافظات، وكان من الممكن للحكومة ان تنهض بالخدمات، وحتى في 2015 بشأن امتيازات النواب؟

رائد فهمي: قلناها لكل الحكومات: اذا كنتم جادين فلا تخشوا الاحتجاجات الشعبية، انما على العكس استندوا اليها كرافعة للتغلب على الممانعات، لا تعتبروها تهديدا وانما فرصة، وهكذا الحال اليوم وفي المستقبل ايضا، هذه الاحتجاجات لا تشكل تهديدا للكيان العراقي، التهديد يأتي من مكان اخر .

سؤال: بالنسبة للمتنفذين الذين يسعون اليوم الى اجراء الانتخابات، يقولون أنهم استجابوا لمطلب المنتفضين باجراء انتخابات مبكرة ، فهل فعلا هذه الانتخابات هي ما اراده المنتفضون وتطلعوا اليه؟

رائد فهمي: ذكرت في البداية ان الانتخابات التي أرادها المنتفضون هي الانتخابات التي تكون فاتحة للتغيير بمعنى ان تكون عاكسة حقا للارادة الشعبية، وهذا يستلزم ان تكون حرة ونزيهة وشفافة ، وانا ذكرت ان عنصر السلاح والمال السياسي وعدم محاسبة القتلة  وعدم إنفاذ القانون، فالان لا الفاسد يعاقب ولا القاتل يعاقب كما ينبغي. الحكومة قالت انها تسعى لتحسين الظروف الخاصة بالانتخابات، وانا اقول انها حسنت بعض الظروف لكن القضايا البنيوية قائمة، وبالتالي فان عمل الحكومة كان في الحلقة الاخيرة، بمعنى يوم الانتخابات والبطاقات الخ .

اما الحلقات الاخرى قبلها فما زالت موجودة. فالقانون غير منفذ كما ينبغي، والسلاح وقلنا ليس فقط السلاح المنفلت، فهناك أحزاب تمتلك السلاح وتسيطر على مناطق كاملة وهذا بحد ذاته عنصر تهديد. واريد ان اشير الى ان هذا السلاح ليس فقط يهدد الحريات ، وانما تتم بواسطته عمليات ابتزاز وتتم عمليات استحواذ واستيلاء على الممتلكات والعقارات، وبواسطته توقع عقود وغيرها من الاشياء. وهذا السلاح يهدد الاستثمار الوطني والمحلي ، ويهدد حسن اداء الدولة، ويهدد كل العوامل التي من الممكن ان يستند اليها للقيام بعمل تنموي. هذا السلاح اذن هو عنصر داخل في جميع المعادلات السياسية والامنية والاقتصادية ، ونحن نعرف جيدا ان اية حكومة، هذه او غيرها، هي بالاساس منبثقة من البرلمان، وهذا البرلمان هو هؤلاء الاشخاص الذين يمتلكون الاذرع المسلحة. فالقضية اذن لا تتم الا بجمع كل هذه المسارات. وهذه الانتخابات المبكرة التي أريد لها ان تكون رافعة للتغيير، نحن نرى انها لن تكون رافعة للتغيير، أولا للاسباب التي ذكرتها وربما قسم منها اصبح اقوى. والان يأتي ايضا تأخيرها فنحن اليوم على بعد 6 اشهر فقط من الانتخابات الاعتيادية، ونحن رفعنا شعار الانتخابات المبكرة منذ اواخر 2019 ، وهذا شكل لعبا على الزمن وعلى انخفاض الحماس الشعبي. وخلال هذه الفترة جرى عمل ممنهج، أولا لتفكيك العملية الاحتجاجية وقسم من ساحات الاعتصام فكك فعلا وبأشكال مختلفة . كذلك حصل تغلغل وتوغل داخل حركات الاحتجاج، واستخدم العنف والاغتيالات، واستخدمت عملية شراء الذمم وتقديم الاغراءات، واستحدثت تنظيمات من القوى المتنفذة ودخلت ساحات الاعتصام وبدأت بعملية تشويش المشهد بحجة انها تشرينية، كل هذه العوامل أثرت على الانتخابات وما يمكن ان تفرزه من نتائج، فضلا عن امكانيات التزوير والمال السياسي والمنظومة الانتخابية، فرغم ان هناك تحسنا لا تزال كل هذه الاشياء قائمة.

سؤال: تحدثنا عن انتفاضة تشرين وكيف تعاملت معها القوى المتنفذة والسلطة، ولكن كيف تعاملت معها القوى المؤمنة بالتغيير؟

رائد فهمي: ان أي تجربة بهذا الحجم يتوجب دراستها وتحليلها حتى من أصحاب الشأن، لأنك لا يمكن ان تتقدم اذا لم تنظر الى تجربتك بعين مفتوحة وبدون غشاوة، وقد أشرنا الى انجازاتها والى قوتها، ولكن نشير ايضا الى النقاط التي ينبغي معالجتها، ونحن قلنا ان ضعف تنظيمها الداخلي كان يشكل نقطة ضعف. فهناك تعدد الشعارات ورغم ان جميع الشعارات مشروعة لكن قوتها انتشرت بالتالي على مساحة واسعة، ويراد لهذه الشعارات ان ترتبط بنظرة كاملة للتغيير ولادوات التغيير ، فليس كافيا ان تقول انك تريد التغيير وانت لا تفكر كيف تذهب بمشروعك وتوفر الادوات التي تحقق من خلالها ما تريد. كما حصل عندما طلبوا قانون انتخابات جديد، فبالنتيجة قانون الانتخابات الذي شرّعه البرلمان وضع على اساس الدوائر الصغيرة وقد جاء من المنظومة الحاكمة، وبالتالي حتى هذا القانون عندما تغير لم يأت بالصورة المرجوة بل جاء لصالحهم. انت عليك ان تعزز عناصر القوة والتماسك، وقد قلنا انها حركة واسعة وافقية، مكوناتها مختلفة وأطرها مؤقتة، وهذه كلها تشكل جوانب ايجابية عندما يكون المطلب واحد والتغيير واحد، فتسقط الحكومة على سبيل المثال وقد حققت هذا فعلا ، لكنها لم تلعب دورا كافيا في تشكيل الحكومة الجديدة وفي فرض ارادتها  خلال ذلك، هذا يراد له شكل آخر من التنظيم ورؤية اخرى. اذن هذه النواقص يجب ان تعالج سياسيا وتنظيميا ويجب التخلي عن بعض الشعارات والمواقف، ومنها قضية وضع كل الاحزاب في خانة واحدة ، كذلك استعداء اطراف من الممكن تحييدها، الى جانب الاهتمام بالخطاب والعمل الدؤوب لتجميع هذه القوى المختلفة وتوسيع مساحتها، أولا لتوحيد الاطراف التشرينية، وقسم منها تحول الى احزاب متنوعة يجب ان تتفق على مشتركات، وقد برزت داخلهم صراعات منها ما قد يكون لاسباب شخصية وهذه ينبغي تجاوزها. الان يجب ان نميز بين المشترك الاكبر المرتبط بالتغيير، وبين التكتيكات والمواقف المشتركة ومع الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وبينهم وبين النقابات وبينهم وبين حتى الاشكال التقليدية، بمعنى حتى الاقسام العشائرية التي وقفت مع الانتفاضة في جوانب مختلفة. ونلاحظ المساحة الاجتماعية الكبيرة وكيف يمكن توحيدها وكيف تصبح جميعها شريكة في القرار، والشيء المبشر بالخير ان الكثير من هذه الامور والكثير من اطراف الحركة الاحتجاجية والتشرينية توصلت الى استنتاجات وخلاصات سليمة جدا بهذا الشأن، وبدأ عمل معين لتغليب عناصر الوحدة على عناصر الفرقة فيما لو انطلقت احتجاجات اخرى.

سؤال : في 2019 كان الطلبة وحملة الشهادات يتعرضون الى الاهانة والقسوة في التعامل أمام مقر رئاسة الوزراء في العلاوي، واليوم نحن في 2021 والطلبة في ميسان وحملة الشهادات يتعرضون لنفس التعامل. وفي 2019 كان موضوع الخريجين محركا للانتفاضة، فهل من الممكن ان نشهد الآن نسخة جديدة من تشرين؟

رائد فهمي: أولا السلطة لدينا مشتتة، لدينا سلطات وليس سلطة واحدة، وكثير من هذه السلطات تجد في الاحتجاجات عموما تهديدا لها، خاصة وان كل هذه الاحتجاجات بدأت تربط ما بين القضايا المطلبية المشروعة وما بين المنظومة التي تقف وراءها. لذلك نلاحظ هذا التعامل العنيف واي تعامل من هذا القبيل يغذي الاحتجاج ويغذي الرفض ويغذي اندفاعات الشباب، وليس فقط الشباب انما فئات اكبر ولكن الشباب هم بالدرجة الاولى، وبالتالي هذه الاحداث المتفرقة والمتشتتة قد يحدث اليوم حدث معين يجمعها وتتوحد الامور. الازمات وكل المشاكل ما زالت قائمة والعلاجات التي تجري هي علاجات جزئية، اذن عناصر انتاج الازمة قائمة. وكيف تولد احتجاجات مثل اول تشرين قبل سنتين؟ أنا اقول من الناحية النظرية ومن ناحية الواقع كل العناصر الموجودة من الممكن ان تحدث، اما متى تحدث فلا احد يعرف ذلك، في لحظة يمكن ان تحدث ولكن الفرق في هذه المرة انها ستكون بتنظيم افضل وبوعي افضل، وقد لاحظنا من 2011 الى 2015 الى 2019 ان هناك عملية تطور فيها.

من جانب اخر يخاف البعض ان يؤدي ذلك الى فوضى او الى حرب اهلية، وانا اتحدث الان عن السلطة النافذة. في السلطة ان كانوا فعلا يخشون ذلك فالمطلوب منهم معروف: حققوا المطلوب ، قاتلوا الفساد، اعيدوا بناء الدولة على أسس سليمة، على أسس الكفاءة والنزاهة، وجهوا أموال الدولة والموازنات نحو المشاريع التنموية، اعملوا على انفاذ القانون، فلا توجد دولة بدون قانون، هذه الخطوات المطروحة وغيرها خطوات واضحة.

الان الشعار المرفوع: نريد دولة، وهو مطروح من قوى كبيرة نافذة،  وكلها كان لها حضور ونفوذ ودور في الدولة على مدى السنوات الماضية، فماذا سيتغير؟ الا اذا كان فهمهم للدولة فهما قاصرا. وهيبة الدولة البعض يفهمها على انها سلطة عسكرية تمنع المظاهرات، وليس هيبة الدولة في قدرتها على تنفيذ القانون وعلى تحقيق الرضا المجتمعي، فالناس ترضى عن الدولة عندما تعالج مشاكلهم.

انا اعتقد ان التغيير والاصلاحات في ظل المنظومة الحاكمة لا تأتي من داخلها، وهذا لا يعني عدم وجود عناصر تريد الاصلاح. نعم توجد، وقد تصلح هذا المفصل او ذاك المفصل، لكن الجذور والعوامل البنيوية المتسببة ببقاء الازمة يراد لها ارادة اكبر، يراد لها ارادة تغيير أعمق واكثر جذرية، وكل هذا يحتاج الى اسناد شعبي.

لذلك فالمطلوب من كل مريدي التغيير اينما كان موقعهم، ان تتوحد اراداتهم، وان يتفاعل ضغطهم، وان ندفع سوية في اتجاه خطوات واضحة للتغيير، للخلاص من منظومة المحاصصة. هذه نقطة اولى، والفساد مرتبط بها، واقتصاديا يجب ان تكون السياسات موجهة لتلبية الاحتياجات الاساسية للشرائح الاوسع في المجتمع من خدمات الى قدرة شرائية وغيرهما، كذلك تعزيز السيادة الوطنية والتعامل مع كل القوى الخارجية ايا كانت على أساس المصلحة الوطنية، سواء على الصعيد السياسي او الاقتصادي او على صعيد المشاريع او الاستثمارات.