قال السكرتير السابق للجنة المركزية  للحزب الشيوعي العراقي، الرفيق حميد مجيد موسى، ان القوى المتنفذة المسيطرة على صنع القرار السياسي في البلد استمرأت تقسيم المغانم على اساس المحاصصة الطائفية الاثنية.

جاء ذلك في الحوار التالي مع وكالة “دجلة الخير”:

 

الوكالة - هناك من يقول ان الازمة الراهنة هي الأصعب في تاريخ العراق، لذلك نبدأ حوارنا منها ؟ 

موسى: اذا عرفنا اسباب الازمة وعوامل تشكلها العميقة فسنستطيع أن نصل إلى حلول. اما تجاهل الخلفيات الحقيقية لهذه الازمة فسوف يجعلنا ندور في حلقة مفرغة. المنظومة المحاصصاتية الطائفية الاثنية هي احد الاسباب الرئيسية لتشكل الازمة. فالعملية السياسية جاءت من أجل تحقيق نظام جمهوري ديمقراطي تعددي اتحادي وبناء بلد ذي سيادة واستقلال، فاين نحن من هذا كله؟ القوى المتنفذة المسيطرة على صنع القرار السياسي في البلد استمرأت تقسيم المغانم على اساس المحاصصة الطائفية الاثنية. وحقيقة الأمر أن هذه القوى لا تمثل كامل الطوائف والقوميات وإنما تسلطت من موقع القوة وامتلاكها جماعات مسلحة، على رقاب أبناء الطائفة والقومية. فهذه المنظومة مشجعة للفساد وحامية له .. وهي مشوهة للديمقراطية وتساعد على انتهاك حقوق الإنسان، كما انها  لا تتجه  الى بناء  البلد ، وتتسم بكونها   معادية لمبدأ المواطنة الذي نص عليه الدستور، حيث جاء فيه إن المواطنين متساوون بصرف النظر عن جنسهم  و قوميتهم وطائفتهم. ويتوجب ان نقول أيضا ان هذه المنظومة راعية  لكل توجهات التشدد والتطرف، ولذلك شهدنا الحرب الطائفية  وما تبعها من تشكل للمجامع الإرهابية على اختلاف عناوينها .

 

البلد يعيش ازمة مركبة 

وعموما تلك الأوضاع والممارسات والمواقف كانت تربة خصبة لنمو الارهاب فالتشدد والتطرف هما من مصادر الإرهاب  الفكرية ، ومن مصادره  الاجتماعية الفقر والجوع والبطالة . فهذه هي الأسباب العميقة لازمة البلد . فالبلد لم  يتمكن  وهو في حاله الوهن والضعف، ان يحافظ على استقلالية وسيادة الوطن بل أصبح الاستقواء بالأجنبي مفخرة للبعض لذلك نجد البلد اليوم يعيش أزمة مركبة داخلية وخارجية . فإذا أردنا التخلص من هذه الازمة ونصل إلى استقرار البلد السياسي والاقتصادي وازدهاره وتطوره  وتحقيق  العدالة الاجتماعية ، لابد من القضاء على المسببات وبناء منظومه تعتمد المواطنة  في دوله مدنية ديمقراطية يتساوى فيها الجميع ويتمتعون  بالحرية  في تأدية شعائرهم الدينية والقومية والطائفية وغير ذلك .. دولة تحترم فيها حقوق الإنسان وحياته وحرياته التي انتهكت منذ زمن واصبح الكاتم علامة مميزة لقمع الاحرار و المعارضين والمنتفضين، ولقمع الصوت الحر والراي الاخر المختلف .

معالجة هذه الازمة تمر عبر إقامة منظومة سليمة ديمقراطية حقيقية غير مشوهة بعيدا عن المحاصصات التي انهكت البلد واضاعت الكفاءة والمهارة وبغير ذلك لن نصل الى شاطئ السلام والتقدم . فالمعالجة ليست بالانتخابات فقط فالانتخابات آلية لكن الديمقراطية قيم ومبادئ واخلاقيات وسلوك ونهج ومنظومة حكم متكاملة ، واليات عديدة  تعبر عن حقوق الإنسان ، ولا يمكن اختزالها بآليه واحدة .  نحن لا نرفض الانتخابات  ولكنها ستؤدي  وظيفتها وتبقى ضرورية  حينما تتوفر لها شروطها واشتراطاتها ، فلابد اولا من توفر بيئة سياسية وبيئة امنية  جيدتين، ومثلهما بيئة اجتماعية، فضلا عن تنافس حقيقي وعدم استغلال مال الدولة والاستقواء بالمال السياسي والمال الخارجي، او الاستقواء بالمليشيات والقوى المسلحة. هذه هي المستلزمات التي تجعل من الانتخابات عادلة ونزيهة ومقبولة  النتائج . وعند توفرها يمكن للشعب ان يقول كلمته بحرية . اما في الظروف الحالية  فلن تنتج  الانتخابات الا نفس الوجوه والاساس والمنهج الفاشل  الذي أوصل  البلد إلى هذا الواقع المر والمأساوي واصبحنا نخجل من مواقع العراق في الاحصائيات العالمية.

 

الحاجة قائمة لقانون انتخابي عادل 

الوكالة: تحدثتم عن الإشكاليات التي  تحول دون إجراء انتخابات نزيهة ، فما هو البديل ان لم تكن الانتخابات؟ وهل هناك إمكانية لاعادة ما حدث في تشرين،  وان يكن بشكل او باسم ولون اخر؟

موسى: نحن لا نرفض العملية  الانتخابية ، ولكن نرفض الانتخابات المشوهة المصممة لاعادة إنتاج الفاسدين  ومن تورطوا بالفشل طوال هذه السنوات ، وهذا يتمثل بقانون الانتخابات السيئ جدا، وكما هو معروف فان الحزب  الشيوعي وقسم من القوى الأخرى رفضت اعتماد قانون الانتخابات الخالي   حتى لما رفع خطأ في ساحات الاحتجاجات . القانون افرغ من محتواه المطلوب فالناس طالبت بقانون وبسبب عدم وجود قيادات واضحة في المظاهرات وتشتت القوى،  جرت مطالبات  بالدوائر الصغيرة وكانت لها قصد اخر غير الذي اعتمدته القوى المتنفذة حينما فصلت القانون  على مقاساتها . فنحن بحاجة اولا لقانون ينتج انتخابات سليمة فضلا عن تفعيل قانون الاحزاب فعلى سبيل المثال قانون الاحزاب يحدد تمويل الانتخابات لكل جهة ويمنع مشاركة الأحزاب التي لها اذرع مسلحة  والمفوضية ترد  بعدم قدرتها على تطبيق القانون.

نحن نبحث عن انتخابات حرة وهي لن تأتي منحة ولا مكرمة وإنما كما اجبر مجلس النواب بعد انتفاضة تشرين على اتخاذ  قرارات عليه أن يستجيب لارادة الجماهير ،  ومن يريد الديمقراطية يجب أن لا يكتفي بجانب  منها وحصرها  بانتخابات شكليه،   إنما يجب أن يأخذها متكاملة .تحقيق ذلك يتطلب دور للجماهير  وضغطها المطلوب ،  فاليوم حين يفرغ مجلس النواب  مطالب الجماهير من محتواها ويشرع قانون غير عادل ، فعلى  تلك الجماهير ان تثار لذلك وان تستعيد مجدها وعافيتها وزخَمها والضغط في كل الأماكن والاتجاهات لكي تنال الديمقراطية الحقيقية.

 

لا تنمية متوقعة من ورقة الحكومة “ البيضاء “ 

الوكالة: يرى المراقب ان البلد يمر بازمه اقتصادية والحكومة الحالية قدمت ورقة إصلاح اسمتها  بالورقة البيضاء كحل للمشاكل وإصلاح للاقتصاد. ما هو تقييمكم  لها؟

موسى: ان الاجراءات هذه تنطوي في جانب منها على مصالح طفيلية وهي تعبر عن مصالح طبقية ، ولا تستهدف تحسين حالة الشعب المعاشية، ولا تحقيق العدالة الاجتماعية ، ولا تستهدف توفير فرص عمل عادلة متكافئة . الورقة البيضاء ليست بيضاء ، انما سوداء في مراميها، لكنها بيضاء لأصحاب المليارات من سراق اموال الشعب والبلد والمقاولين الفاسدين وشركائهم  المفسدين في السلطة،  ويراد منها تكريس نزعة الليبرالية الجديدة ونهب أموال الدولة.  العراق بلد ريعي وفيه قطاع دولة ، فمن الخطأ الجسيم ان يكون هم الحكومة والمتنفذين كيفية تخصيص هذا القطاع لصالح بناء قطاع خاص طفيلي . وهنا تتوجب الإشارة ان لا اعترض  على دعم تنمية القطاع الخاص كي يقوم بدوره في عملية التنمية، في بناء الجديد من المعامل و المنشآت والمزارع ووسائل النقل ولكن ليس على حساب ممتلكات الدولة وهي ممتلكات يفترض ان تكون عوائدها للشعب وتعالج الفقر والفاقة والجوع والمرض .

اما ان تنهب كل هذه الأموال وتذهب  في جيوب الفاسدين والمستغلين المتوحشين وثم تدعي الحكومة انها نمت وطورت البلد فهذا ادعاء كاذب ولم يوصل بلدان قبلنا لشاطيء الأمان والاستقرار والتنمية والرفاه. وكثير من التجارب في بلدان اسيوية وافريقية التي اخذت  بتوصيات صندوق النقد الدولي وصلت  الى الحضيض  ولم تستطع الخروج من كبوتها . الامر الاخر انه  حتى في بلدان رأسمالية ، وكذلك في دول النمور الاسيوية  كسنغافورة وغيرها حققت التنمية  ولكن ليس عبر نهب وسلب قطاع الدولة،  وليس دون تدخل الدولة.

الورقة البيضاء تريد  ان ترفع الدولة يدها وبالمقابل تطلق السراق والطفيليين لينهبوا ويسرقوا وبعد ذلك تتوقع ان تحصل التنمية! اية تنمية ستحصل في مثل هذه الحالات والظروف؟! المشكلة في سوء الادارة وتوظيف غير النزيهين وغير الكفوئين، وكذلك في البيروقراطية والقوانين المتخلفة  والتي يجب في البدء معالجتها وليس الذهاب مباشره لتحطيم قطاع الدولة لصالح الطفيليين ليبيعوا ممتلكات الدولة خردة كما حصل ويحصل. ونعتقد  ان الورقة البيضاء والتي تدعي السلطة انها برنامج انقاذ العراق اقتصاديا فيها مخالفة دستورية لان ما فيها لا ينطبق مع جوهر الدستور وفيها مخالفة للواقع الموجود ، فالاقتصاد العراقي لا يتماشى مع هذه التوجهات  المستنسخة من تجارب رأسمالية متطورة في بلدان لها ظروف اخرى . لدينا  من الخبراء العديد ممن يستطيع ان يضع اقتصاد الدولة على السكة الصحيحة فلا نتوقع عبر السير على  هذا النهج ان يتحسن اقتصاد العراق وبالتالي الواقع الاجتماعي وهما  مترابطان بشكل فعلي ، بل سيستمر الفقر والبطالة وبالتالي تفشي الفوضى والجريمة المنظمة والمخدرات والفساد الأخلاقي والخ..